كتب .. د . هاشم غرايبة
بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ، وجد المتحاربون الأوروبيون ، وبعد تجارب قاسية في حربين طاحنتين خلال نصف قرن ، أن المغانم من التقاتل هزيلة لجميع الأطراف ، وبدلا من التقاتل بين الكواسر على الفريسة .. الإتفاق والتعاون على صيدها ثم توزيعها حسب قانون الغاب ، أي يستأثر الأسد بها حتى يشبع ثم يأتي الضبع بحصة أقل وبعده الذئب ، وما يتبقى فهو للثعالب والطيور الجارحة ، وعلى هذا الأساس لم تتحارب تلك الدول في النصف الثاني للقرن العشرين ، وتفرغت لهمومها الخاصة على أن تدع لها أمريكا حصة في كل صيد .
كانت قطعان الأبقار في منطقة الشرق الأوسط أكثر إغراء ، فاختارت هذه الضواري المتحالفة فلسطين التي تقع في قلبه لتحولها الى قلعة محصنة ، تنطلق منها في رحلات صيدها ، ووجدت ضالتها في قطعان من الذئاب الضالة لتحرسها ولتستفيد من طبع الغدر المتأصل فيها لإرعاب من حولها ، ولما كانت هذه المخلوقات مكروهة حيثما وجدت ، ومضطهدة أينما حلت ، لذا كان همها إيجاد ملجأ آمن لتسكنه ، واصطنعت لهم كيانا مستمداً من أسطورة وطن الميعاد ، وأسمته دولة .
ولما كانت ثيران القطيع يحمي بعضها بعضا إن اجتمعت ، فيصعب بذلك افتراسها ، لذا قسمته وأوضعت خلاله الفتن لكي يتفرق جماعات وشراذم ، كل واحدة تنفر من أختها ، بعد أذ أمّرت على كل فصيلة ثورا يأبى أن يتخلى عن زعامته لغيره ولو فني كل القطيع ، وجاء زمن ساد في أغلبها أراذلها وأقلها مروءة ، فتطامنت هاماتها من كثرة الإنبطاح ، واضمحلت قرونها من قلة النطاح ، فاستطابت الخنوع بدل الكفاح ، واقتصر استعمال القرون عندها على اخضاع من يتمرد من القطيع ، وسكتت عن الأبقار التي تفترس كل يوم ، وتذهب الى بطون الضواري النهمة من غير أن يدافع عنها أحد .
لما وصل بها الحال الى هذه الحالة من المهانة والذل ، ابتغت الى رضا سيد الغاب سبيلا لكي يبقي لها مكانتها الزعامية ، وتحتفظ بمكاسبها وامتيازاتها ، وذلك عن طريق التقرب من كيان الذئاب والتزلف له ، بل والإستعداد للتحالف معه ضد قطعان أخرى من بنات جلدتها ، وإثباتا على صدق نيتها في ذلك ، دأبت على مراقبة الثيران الفتية الناقمة على ما آلت إليه القطعان المستهدفة ، والطامحة إلى وضح حد لحالة التمزق والإندثار تلك ، وتعهدت بتقديم المعلومات التي تحصل عليها عنهم الى هذا العدو ليسهل عليه قنصهم أولا بأول قبل أن يستفحل خطرهم عليه ، رغم علمها أن العدو يضمر الشر لعموم الأبقار ، سواء تلك الناقمة أو القابلة بهذه الحالة المزرية .
أوردت هذه الصورة التمثيلية لبيان الحال ، بعد إذ نجح البعض بتشويش الصورة العامة ، إثر اكتشاف كم يمكن للإرهاب أن يقلب كثيرا من المفاهيم لدى البعض ، لأن الإنسان يحب الأمان والإستقرار ويبغض القلق والخوف ، وأكثر شيء يفقده توازنه هو تشككه في متانة سياجه الفكري .. عقيدته ، فيصبح عندها صيدا سهلا لكل طامع أو متآمر .
لذا كانت المؤامرة على هذه الأمة في الربط بين منبع العقيدة الإسلامية وبين الفكر الإرهابي الظلامي المصنوع بأيد أجنبية لكنه مفصل على مقاس الإسلام .
العاقل ذو التفكير المنطقي سيصل الى كشف تلك المؤامرة من ربط العناصر التالية ببعضها :
– المسلم الحقيقي يمتاز عن غيره من البشر بأنه يعرف أن تعاليم دينه تأمره بعمل الخير وتقديم العون لغيره من البشر وحتى للحيوان والنبات ، ومنع الأذى الواقع على الغير .. ويعتبر أن هذا هو معيار التقوى والتقرب من الله ، فكيف يمكن أن يعتبر قتل الآخرين هو معيار التدين ؟
– معظم الأعمال الإرهابية تتم بعمليات انتحارية .. فإذا كان من يقوم بها شخص مؤمن بالله واليوم الآخر .. فمن ذا الذي يستطيع غسل دماغه لكي يقنعه بقتل نفسه وهو يعلم أن جزاؤه جهنم من غير نقاش ؟ إذن هو إما غير مسلم .. أو أنه لم يقم بذلك طواعية ، وفي كلا الحالين لن يكون الإسلام هو الدافع لذلك الفعل .
– معروف أن الإسلام فكر وقناعات وليس تنظيما ، أي أن المسلم يزداد إسلامه وينقص بالعلم والمعرفة وليس بالتدرج في المنصب ، بمعنى أنه قد يكون الفرد أعلى من المسئول إيمانا وبالعكس ، وليس الدين محتكرا لطبقة اجتماعية أو دينية ، فليس ممكنا أن ينصاع فرد لآخر دينيا إلا بقناعاته وليس طمعا أو ضغطا لأنه إيمان وقر في القلب وليس مظاهر خادعة .. فليس ممكنا والحالة هذه أن ينصاع فرد لتنفيذ أمر من إنسان لا يقتنع به من أعماقه .
للأسباب التي أسلفنا نجد أن الإرهاب فكرا أو ممارسة أو تلفيقا إعلاميا ، هو من صنع أناس غير مسلمين ولا يعرفوا طبيعة الإسلام التي ذكرناها آنفا ، وهم من فرط تسرعهم بالفرح من نجاحهم المرحلي جراء قبول جماعات من المنافقين والمرجفين من بيننا لفكرتهم والتصفيق لها ، لم يتمعنوا جيدا في الخطأ الذي وقعوا به بربط الإسلام بالإرهاب ، هم حقيقة نجحوا بالضخ الإعلامي الهائل ..ونجحوا بإبعاد الأنظار عن الكيان المكروه الذي فعلوا كل هذه الموبقات لأجل إبعاد شبح زواله الحتمي ، لأنه تستطيع أن تضلل كثيرا من الناس لفترة قصيرة لكن ليس طوال الوقت .
* للإطلاع على المزيد من انتاج الكاتب يرجى الدخول على صفحته على الفيس بوك : صفحة الدكتور هاشم غرايبة أو على رقم التعريف : 644864265574607



