
#حفلات_تخريج_الجامعة_الأردنية:
﴿عذوبة البٸر وحجارة النکران!﴾
”من شرب من بير ما رمی بيه حجر“،علی البوابة الجنوبية للجامعة الأردنية وقبل أنّ أصل کانت عشرات المکالمات قد أجريتها من أجل الدخول بسيارتي الخاصة وإدخال سيارة أخری لأخي کانت تقل والدتي وباقي أفراد عاٸلتي لبوابة ستاد الجامعة الأردنية، وربما کان طعم النشوة بالاحتفاء بشهرتي ومعرفتي للأمن الجامعي وأنني شخص واصل کثير ،اعتبرت نفسي شخصاً خاصاً حين ترجم ذلك إطراء زوجتي وبعض أطفالي حتی تخيل لهم بأنني لا أقل عن الوزراء بشيء سوی الساٸق والنمرة الحمراء.
وما إن وصلت بوابة الVIP حتی کان أکثر من شخص أعرفهم قاموا بإدخالي وحاشيتي،علماً أنني لم أکن أصلاًً أحمل بطاقة دعوة من الخريجة نفسها ،تلك البطاقة التي لا تسمح لأکثر من أربعة من ذوي الخريج/ة من حضور حفل التخريج،ومن ثم قمت بإدخال واحد وسبعين شخص ضمن علاقاتي الخاصة بموظفين الجامعة من الأمن وغيرهم ،حتی وصل بالدکتورة هيا الحوراني مديرة الداٸرة الإعلامية للجامعة الأردنية بعد أنّ شربت القهوة العربية من يد أمي فأردت أنا ضريبة فنجان القهوة منها حين طلبت أنّ تدخل أربعة أشخاص جدد فأنبتني تأنيب المعلم لتلميذه حين قالت غاضبةً” شبلي إنت إبن الجامعة ولازم تکون معنا مو علينا بالذات بهذا اليوم“.
ولا تدري هيا الحوراني ولا أنتم قراٸي الکرام بأنني بأول فرصةٍ سنحت بذلك لي بالظهور وأنا أمارس الآن عليکم فن التنظير بأنني قد استبحت کل مواطن الفساد ودخلته من أوسع أبوابه من أجل نفش ريشي أمام زوجتي وأمي وعاٸلتي لأحصل علی الإطراء والمدح وتکبير الراس بکلمة ”واصل“.
حين کنا أول الواصلين وبالذات علی الدرجة الخاصة، کانت الجهود الجبارة التي واصلت الليل بالنهار من کل فٸات الموظفين ودواٸر وأقسام الجامعة برسم لوحةٍ تليق بهذا العرس المعرفي والفرحة بوصول بحارة العلم لأولی شواطیء الإنجاز، کان الورد بأعداده الهاٸلة وأشکاله المختلفة وألوانه المنتقاة بعناية يصطف کاصطفاف الجند في الميدان ويترامی بکل جماله وروحه العذبة، وکانت مقاعد الخريجين ترسم لوحةً أرقی وکذلك ربوة أعضاء هيٸات التدريس في قلب الورد ،ناهيك عن جهود داٸرة الإعلام ومکبرات الصوت ،وکذلك داٸرة الخدمات بقاٸدها حمزة الجازي ،وتلك المدرجات التي کانت أنقی من بيت العروس في ليلة زفافها لدرجة أنها تحاکي المثل الشعبي المعبر عن النظافة والصفاء ”تلحس العسل من عليها “، کل هذه اللوحة الراٸعة کان إطارها وبروازها سياجُُ من نخبة رجال الأمن الجامعي علی هرم مسٶولياتهم خميس الزبيدي.
شيخة الجامعات وأم دور العلم وأقدمهن کالعروس في خدرها کانت تغط في حضن الغروب وهي تتفيأُ ظلال عمان الحبيبة من الغرب، انتهت المراسم ، وشرب الجميع من بٸرها العذب الزلال بعدما عبقت رواٸح وردها بأنوفهم وشربت أبصارهم کل هذا الحسن المزرکش وسرقوا أجمل اللحظات بصور تذکارية،ثم انصرف الجميع.
کنت أرقب أدب الخروج وتأدب الراحلين الشاربين ماء الجمال ، حتی تألمت عيني من بقايا الراحلين المنکرين کل جميلٍ والعابثين بکل جمال ،شربوا ماءهم وقهوتهم وترکوا کل فوارغها البلاستيکية تعج بخاصرة المکان ،أکلوا الحلوی ونثروا قشورها علی المدرجات ،هنا علب صفيح الرغوة الفارغة وهناك شظايا الأبواق المکسرة ،وفي الظلال أغلفة الورد والباقات الذابلة ،في الممرات أوراقُُ ونفايات مجهولة حقاٸب أشياٸهم ،وکأن هذا المکان لن يفتح بعد اليوم بابه لغيرهم ،کان المشهد أقرب ما يحاکي معرکةً بين الأخلاق واللا أخلاق ،کان المنظر يترجم صراعاً بين إنسانية الزٸرين ولا إنسانيتهم ، رحل الجميع وترکوا کل آذاهم هنا في المکان الذي کان أنقی من بيوتهم وأروع من حداٸق منازلهم ، ترکوه کبٸرٍ معطلةٍ أو قصرٍ مشيدٍ مهجور.
هزني ذلك الرجل عامل الخدمات وهو يرتدي أفرهوله الأخضر وقبعةً رمادية ، يهاتف زوجته ويقول ” الله بعين إحکي مع أخوي خليل بجيبلکم خبز وحليب للولد ،أنا احتمال أنام بستاد الجامعة لأنه الاستاد ومدرجاته دمار شامل وبکره في تخريج تحمليني يا بنت الناس“ ، ثم التقط زجاجةً من الماء ترکها أحدهم علی المقاعد شرب منها وسکب ما تبقی علی وجهه ثم مسح شلال عرقه وبدأ برحلة الشقاء.
شبلي حسن العجارمة

