
“القروي… يا محترم”
د. محمد شواقفة
لم أرغب كثيرا بالتعليق على المقابلة الغريبة لاحد الاعيان على محطة محلية لا يتابعها احد و لا على هذه الإجابات الأكثر غرابة من شخص لا أعرفه و كم تمنيت انني لم اسمعه. و علمت انه كان ذي شأن في الجيش في يوم ما.
كل منصف يعلم أن هذه اللهجة الاستعلائية غريبة و لكنها للأسف حقيقة لا مفر منها و لا بد من مواجهتها. و لست فعلا غاضبا لأنني ابن قرية و افتخر بهذا و لا أعتقد أن في ذلك مذمة أو عيب و لكن أحزنني جدا أن هذا الشخص يتخذ من أبناء القرى هزوا و ينظر لهم بهذه الفوقية و الاحتقار و هذا مستهجن و غير مقبول.
لن نقابل الإساءة بالاساءة و لا الكلام التافه بأي رد لا يستحقه من تفوه به ليس لضعف فينا و لا لنقص بلاغة. فألسنتنا سنت من انصال الرماح نستطيع أن نقول بها من الكلام أبلغه و البيان ما لا تستطيع عقولهم المعفنة من احتمال. فقلوبنا التي تنبض بالحب لا تتسع لكراهيتهم و عيوننا لا تستطيع أن تراهم و لو شعروا بأنهم كبارا فهم لا لون لهم ولا طعم و لا كيان. و نستطيع أن نذيقهم السم الزعاف في قول أو فعل أو ايماءة. و لكننا نعلم و هم يعلمون بأنهم يكذبون و لا يضيرنا نفاقهم و لا تؤثر على غبار أحذيتنا ترهاتهم.
في الأساطير القديمة التي لا يصفها دين، خرجت جموع الجن تبحث عن أكرم و أطهر و أشرف مادة لصنع تمثال يمثل أكرم المخلوقات و كانت تظن كما زعم سيدها إبليس بأن النار هي الأفضل فكان صعبا عليها أن تجد أي شئ. لكن الله الواحد القهار خلق أمامهم “آدم” من طين و كرمه على كل ما خلق و طلب من الملائكة جميعا ليسجدوا له بعد أن نفخ فيه الروح.
الطين الذي خلق منه أكرم المخلوقات تجده على يدي الفلاح عندما تمتزج حبات العرق بشرف العمل و التعب. هو ذلك الطين الذي يقلبه القروي بيديه ليخرج من طي الأرض خيرا و فضيلة فتجد تلك البطون الجائعة ما تملأه بها قبل أن تنطق ألسنتهم بما توحي لها به عقولهم الصغيرة. الطين الذي يتشكل عندما تدور ساقية القهر فتحيل الأرض الجافة لاخضرار يطرح ثمرا رطبا شهيا فتمتلئ به موائدهم قبل أن ينعتنا دعي أفاق بأننا عبء على فضائه فلا يجد من كل الكلام الا أدناه ليتكبر خيلاء و فخرا بغباء على أكرم بني البشر صانعو الطين.
ما تدعونه من خير ليس فيه إلا ما باحت به سرائركم المريضة و انتشرت رائحة تفكيركم العفن و عنصريتكم الميته. كلنا نعلم أن خدمة الوطن شرف لمن يمتلك الشرف و يعرفه و لا يترفع عن خدمته بدون مناصب او امتيازات. نرفض طروحاتكم الممجوجة و استحقاركم لنا، فلم نكن يوما ملكا لكم و لن نكون و لم تشترونا يوما عبيدا من اسواق النخاسة لتسومونا سوء العذاب.
ابناؤنا لن يكونوا خدما لكم و لذرياتكم من أجيال القهر و الذل و الخنوع و ستكون أقوالكم قبل أفعالكم اسواطا مسلطة على رقابكم و لا بد أن تقوم لنا قيامة و لا تعتقدون أن ذلك سيكون بعيدا قبل أن تندموا و أعدكم بأنكم سوف تندمون، عندما يواجهكم أبناء التراب و أحفاد الطين…. القرويون!!!!

