
الغربة للرجال
محمد طمليه …
الغربة للرجال, وأنا رجل بالطبع غير أنني لا أطيق الغربة.
أعطتني أمي, قبل أكثر من ردح من العمر حقيبة ومبلغا صغيرا من المال, وقالت لي (اذهب إلى الجامعة المستنصرية في بغداد ). كنت راغبا, مثل أي تلميذ أنهى الثانوية للتو, في عيش ( حياة جامعية صاخبة ) ولا أخفيكم أن خيالي الواسع أسعفني خلال رحلتي بالسيارة إلى بغداد بصور لزميلات فاتنات يتحرشن بي… وبأساتذة وقورين ينصحونني بضرورة أن اقتصد في عملية الإطاحة بالحسناوات الرقيقات… وبزملاء يتقربون مني لمجرد أن أضخ إليهم ما يفيض عن حاجتي من نسوة محبطات. كنت مراهقا على أي حال!!
ووجدتني بعد رحلة مضنية, في بغداد. وجدتني, ولأول مرة في حياتي في مدينة لا وجود فيها لواد الحدادة… ولا لشارع الشابسوغ… ولا لفتيات المدارس ذوات المراييل الخضراء… ولا لعبارة علي الطلاق التي تتردد كثيرا في بيت الجيران. والاهم من ذلك كله أن بغداد تخلو من أمي…من أشقائي وشقيقاتي… من الدالية التي ظللتنا حين هدموا لأسباب عقارية بيتنا… من أم محمد التي أعانتنا وقت المحنة… مراهق في عز الاضطراب وحقيبة فقيرة وخطوات أولى في شارع الرشيد الضيق: عبثا أحاول أن أتأقلم مع الزحام المبهم… ومع الإيقاع الصاخب للمرور والعبور… ومع صياح باعة الماء البارد في ذلك الصيف القائظ… ومع الباصات الحمراء التي تحمل على كاهل حديدها طابقين من الركاب… غدوت, لغط باللهجة غير المألوفة. غدوت, بعد ساعة من وصولي , مخنوقا … قلت: على قارعة الغربة. قلت: (سأنفرد بدجلة وابكي على كتفه) غير أن النهر عافني… اخفق في إسنادي بالألفة: (أيها النهر لا تسر, وانتظرني لاتبعك). ولكن النهر ظل يمشي حثيثا: لا وقع خطوات للماء الراحل!! وانهارت, على نحو مريع, صورة ( الشاب الجامعي) المرسومة في ذهني وجدتني أوبخ نفسي على أنني نجحت في الثانوية. ما كان ينبغي أن انجح. ما كان ينبغي أصلا أن اكبر. كان يتوجب حضن أمي هو الملاذ حين (يفشخني الأتراب في الحي) كان يتوجب أن تبقى حصة الحساب ( البعبع) الذي نرهبه جميعا. كان يتوجب أن اواظب, بهمة عالية والى الأبد, على التبول الليلي. كان يتوجب أن تستمر شقاواتي المدرسية: سرقة أقلام الرصاص من التلميذ المجاور. محاولة الغش حين يكون السؤال متعلقا بجدول الضرب المقيت. التقسيم غير المنصف لقطعة الخبز المدهونة بالسمن والمرشوشة بالسكر. القفز عن السور العالي في الفسحة. عقوبة مربي الصف حين نهمل قص الأظافر. التحرش بأولاد الصف السادس الابتدائي (ب). القرش الذي ضاع فانهمك عشرون تلميذا في البحث عنه. رائحة الجوارب لدى خلع الملابس في حصة الرياضة. ( زيت السمك) في الحصة الرابعة. ولي الأمر المزيف الذي وعد المدير بأن نكف عن الرعونة, إفشاء الأسرار ذات المساس بالتلميذ الشاذ. أغلظ الإيمان التي حلفناها زورا وبهتان¯¯ا. أعيدوا لي كل ذلك. أعيدوني إلى أمي… إلى إبريق الشاي الحبيب إلى الوجبة الدسمة يوم الجمعة… إلى العتبات الحافلة بثرثرة المغرب… إلى خرقة الماء المبلولة على الجبين المحموم…إلى الجورب المرتوق عند موضع الإصبع الكبير… إلى (بوط الأصابع) الذي اشتريناه بعد إلحاح…
* أعيدوني…
وحدي في غرفة الفندق. الغرفة بلا نوافذ, فيها مروحة مدلاة من السقف… ووسائد محشوة باسمنت أو ما شابه… و (شراشف ) قديمة اكتسبت لون الوسخ الشعبي…وأربعة أسرة: لي ولثلاثة نزلاء لم يحضروا بعد…
لم أشأ أن استحم. لم أشأ أن أستريح بعد سفر بري دام (15) ساعة. جلست على طرف السرير, ووجدتني أتخيل, من قبيل المواساة شركائي المحتملين في الغرفة: الأغلب أنهم في مثل سني… جاؤوا للدراسة أيضا. احدهم يكتب شعرا رقيقا. والثاني عاشق من جنوب العراق. أما الثالث فرياضي مرموق. وأمعنت في التخيل, فرسمت صورة للعلاقة التي ستنشأ حتما بين أربعة شبان أذكياء: الانتقال إلى شقة مثالية. الجدل السخيف لدى تقسيم العمل البيتي. الإخلاء المؤقت لصالح الصديق الذي أغوى زميله. التدخل في الشؤون الخاصة وفتح رسائل الأهل بالنيابة, الوساطة عند الحبيبة التي جنحت إلى الحرد. استضافة لفيف من الزميلات بحجة المشاركة في عملية التعزيل المزعومة. التناوب على ارتداء القميص الأزرق التهذيب المفرط في الجلسات المختلطة. التجول ب¯ ( الشورت والشباح ) في الشرفة المطلة….
انتعشتني الصورة وغدوت اقل تشددا في قبول الغربة. بل أني تخليت إلى حد ما, عن موقفي الرافض للانخراط في الحياة الجديدة. وبدا لي أن الفندق الذي اخترته للإقامة المؤقتة ليس قذرا إلى حد منفر. وان عامل النظافة لا ينوي بالضرورة, أن يسرق دراهمي. وان لغط النزلاء في الممرات ليس مريبا بحيث يدفعني إلى الشك في أي حركة وان مروحة السطح لن تسقط, بصورة متعمدة على رأسي.
استعدت رباطة جأشي. واتيح لي أن أتذكر الأكل…أنا جائع: كان جوعي مطمورا بالذهول فلم اشعر به وحين انحسرت الذهول قليلا أينع الجوع. خرجت.أن اخرج إلى أي مطعم… خرجت… شارع الرشيد ساعة المغيب: هبط منسوب الشرر في الهواء قليلا, وأمست درجة الحرارة مقبولة بالنسبة للعراقيين. فيما ظلت لا تطاق بالنسبة لي أنا القادم للتو من رطوبة عمان ولاحظت أن الشارع مزدحم أيضا, ولكن لغاية الترفيه هذه المرة: كان ثمة مجاميع من الشبان بملابس فضفاضة ونعال خفيفة: ماضون إلى شارع (أبو نواس). وكان ثمة عناقيد من الصبايا الملفوفات بالعباءات السود ولكن… يكتشف المشي, لبرهة لا أكثر عن ملابس بالغة الأناقة والسفور تحت العباءة السوداء. وكانت ثمة أغنية حزينة تصدح في المقهى ذي المقاعد الخشبية البيضاء. وكان ثمة لحن يتلهوج على نار الفحم في المطعم: ما أكثر المطاعم في بغداد, في شارع الرشيد تحديدا.
دلفت إلى المطعم. زكمتني في الحال رائحة غريبة… رائحة يأنفها المرء ولكنه يحن إليها إذا غادر بغداد وقد علمت فيما بعد طبعا أنها رائحة عشبة يتناولها العراقيون مع معظم وجباتهم جاءني النادل بطبق من ( اليابسة) وبطبق من الأرز وبرغيف اسطواني مدهون بمادة لامعة. وما ان استقرت الأطباق على مائدتي, حتى شرعت بالأكل دون تدقيق في غرابة الطعام, ودون اكتراث بغياب شروط النظافة في ذلك المطعم الشعبي!!
(يبدو أن الأكل مفيد), قلت في نفسي. ثم ابتسمت في محاولة لترسيخ شعور طارىء بالرضا وقررت على نحو مباغت أن اذهب بعكس نصيحة جدي, إلى شارع (أبو النواس): قال لي جدي, وكان مقرفصا تحت الدالية, قال: (لا تذهب إلى شارع أبو نواس, فثمة مظاهر لا ترضي الله) لقد دلني من حيث لا يدري على المكان الذي يجب أن ارتاده دائما…
(شارع أبو نواس): حدائق طولية ممتدة بمحاذاة دجلة, وثمة أماكن للهو والسخط… ونوافير ماء… وممشى إسمنتي مذروع بخطو العشاق المتألقين ومسطحات خضراء تقتعدها الأسر التي أمت المكان هربا من لهيب الشقة وثمة والحق يقال, نفر من السكارى الذين تهدلوا جراء الإسراف ولكنهم سكارى نموذجيون لا يتحرشون بأحد بل يكتفون, في أقصى سلوك شاذ بالاستفراغ ?
انتشيت. انزاح جزء من إحساسي بالغربة. وتضاعفت النشوة حين تذكرت أن شركائي في غرفة الفندق يتعين أن يكون قد وصلوا الآن. قلت (أوافيهم في الحال), وقادتني لهفتي إلى اقرب سلوك تبذيري طائش, إذ أوقفت سيارة (تاكسي) وطلبت إلى السائق أن يحملني إلى الفندق.
أصدقائي: الشاعر الفذ, والعاشق الجنوبي, والرياضي المرموق: سأعانقهم تباعات. سوف لا نحتاج لأكثر من خمس دقائق لكي يتبوأ كل منا مكان الصدارة في قلب الآخر ثم نبدأ, منذ الغد عملية البحث عن شقة تلائم أربعة شبان مرهفي الحس…لديهم مكنون هائل من الجسارة والطيش…(أسرع أيها السائق الجميل).
علمت من موظف الاستقبال الذي كان مضطجعا تحت المروحة أن الغرفة قد اكتمل نصابها, فرقص قلبي فرحا. لقد جاؤوا أخيرا. وصعدت من فوري, إلى الغرفة كان يمكن أن أجامل الزبائن الهائمين في الممر. كان يمكن أن اطرح التحية على عامل النظافة ذي السحنة المنفرة. كنت في وضع يسمح لي للوقوع في الحب إذا لزم الأمر. ولكني أهملت كل ذلك. كنت مجذوبا إلى الغرفة… إلى أصدقائي. سأعانقهم تباعا. وفتحت باب الغرفة, وفوجئت (بثلاثة رجال كبار في السن, لهم كروش وصلعات وملابس نوم أعطتني انطباعا بأنهم سائقو شاحنات. والانكى من ذلك كله أنهم ليسوا عربا!!
احد شركائي في الغرفة تعرى, ثم استلقى بكامل قيافته المعيبة, على السرير. فيما تحدث, بلغة غريبة, الآخران لم افهم شيئا ولكني شعرت أنني مستهدف. شعرت أن ثمة مؤامرة تحاك واستحضرت في اقل من دقيقة صورة سائق الشاحنات المرسومة في ذهني: رجال بالغو الفظاظة… قمصانهم مفتوحة على الدوام… خصومتهم دامية… يأكلون بشراهة… مهربون في المجمل… يرتادون الاماكن التي تباع فيها الأنوثة المعطوبة يرددون, على الطرق الخارجية الأغاني التي تخلو من مشاعر الاحترام للنساء. ان رجالا من هذا الطراز لا يتورعون في واقع الأمر, عن الإطاحة بمراهق لم يكتمل نمو الشعر تحت إبطه.
بقيت جالسا على طرف السرير, واضعا حقيبتي الصغيرة في حضني, ومحاولا أن أزف إلى وجهي كل التعابير التي توهمت أنها تستدر الشفقة: أنا مجرد تلميذ سيق عنوة إلى بغداد. أنا حصيلة حسابات رعناء توصلت إليها, بالسذاجة فقط أمي المسكينة. لقد ظنت أي أمي أن في مقدورها أن تجاري الأغنياء, فأرسلتني, على أرضية العناد والمماحكة إلى الجامعة. ولكن ثقوا إنني سأعود ولو مشيا, إلى عمان. سأحمل متاعي وخيبتي وارميها في وجه أمي… نام شركائي. سار يمكنني أن اسمع أنفاسهم وهي تتلاطم في فضاء الحناجر: أنفاس ثقيلة, غير أنها لم ترتق إلى مستوى الشخير المنظم. ومع أن هذا السلوك, أي النوم, كان قمينا بإعفائي من الشعور بالريبة, إلا أنني عقدت العزم على مغادرة الفندق. إلى أين ? لا يهم.
بغداد نائمة. ما من صوت سوى وقع خطواتي في الشارع المعتم. ما من ضجيج سوى ذلك الدوي الذي ينفجر في داخلي حين يتساقط زخ النبض في الروح المائجة. وحدي. مارة سوى خيالات تراءت لي في الأزقة التي تتفرع من الشارع الرئيسي… وحدي … مسكون بالخوف, ومصفوع بالعتمة. أضاعف من سرعتي, لا لشيء… ولكن لمجرد أن يتناغم خطوي مع اضطرابي.
ضرورة ذلك ? ازعم أن المشي الحثيث هو نوع من المواساة لرجل خائف. هل قلت (رجلا) ? أتراجع عن ذلك… انفي عن نفسي أي صفة تتناقض مع انهياري. قسما أن الرجولة عبء… أن الرجولة ا جراء يعيق الانكسار حين تقتضي اللياقة أن ينكسر المرء… أن الرجولة تنطوي على انحطاط, وعلى امحاء لطاقات الإنسان الموهوب. قولوا ما شئتم ولكني ابصم على بياض: أنا لست رجلا.
أنا لا اعرف (بغداد)… إقامتي القصيرة في المدينة لا تأهلني للاهتداء إلى مكان ما, ليس أمامي إذا إلا أن أتمادى في التيه: الشوارع سواسية… الأزقة والساحات كذلك… حين لا يكون ثمة هدف, فإن الطرقات تتشابه, تماما مثل المسامير المغروسة في نعل الحذاء… تماما مثل حبيبات القشعريرة على الجسد المحموم… تماما مثل طعم الملح في الأفواه… تماما مثل الأضواء التي نراها عن بعد: ها أن ضوءا يلوح لي. انه مكتب السفريات الذي استقدمني من عمان. كيف اهتديت إليه ? الأغلب انه تعمد أن يتدخل دون استئذان في لهاثي ودوخاني… أن يسجل (نقطة نظام ) على تخبطي… أن يتبوأ منصبا معلوما في ضياعي…
هرولت صوب المكتب. كدت أتعثر, أكثر من مرة, بلهفتي, كدت اسقط, مدرجا بالانفعال, على الإسفلت, ولكني وصلت أخيرا: كان ثمة رجل نائما على أريكة انتظار المسافرين. وكان ثمة لوحة بأسعار السفر إلى كل من الكويت ودمشق وعمان. وكان ثمة أمتعة مركونة في إحدى الزوايا. وبلا وعي, أو بكثير من الوعي رميت متاعي قرب كوم الأمتعة, ثم جلست من قبيل الانتساب للمسافرين على ارض المكتب وغفوت.

