
#العلاقة بين #الوزير و #المواطنين . . !
#موسى_العدوان
يقول الدكتور السعودي غازي القصيبي والذي أشغل سابقا مديرا لسكة الحديد وعدة مناصب وزارية وأكاديمية في المملكة العربية السعودية ما يلي وأقتبس :
” كنت كل يوم من أيام العمل، ما لم يكن هناك ارتباط ملحّ آخر، أقابل من يرغب في لقائي مع المواطنين بلا موعد، في لقاء مفتوح يبدأ بعد صلاة الظهر ويستغرق عادة قرابة الساعة. كان عدد المراجعين الذين يحضرون يوميا، يتراوح بين العشرة والعشرين.
كنت أخصص لكل مواطن يريد موعدا منفصلا، مهما كان موقعه في السلّم الاجتماعي، الوقت الذي يريده بشرط أن يعطي الزملاء في المكتب، فرصة تدبير الموعد ( مهلة يومين أو ثلاثة على سبيل المثال ). وكنت التقي بالمواطنين عبر الجولات والزيارات والافتتاحات.
إلاّ أنني كنت أقف عند هذا الحد ولا أتعداه. لم يكن رقم هاتفي في المنزل معلنا، وكنت حريصا على إبقائه بعيدا عن متناول المراجعين. لم أكن أستقبل في منزلي أصحاب الشكاوي. مرة أو مرتين اقتحم بعض المراجعين المنزل اقتحاما ( في المملكة لا توجد حراسة على بيوت الوزراء )، وقد استقبلتهم وقدمت لهم الشاي ورفضت أن أستلم عرائضهم.
كنت مصرا على ألا أحوّل المنزل إلى مكتب آخر. من ناحية لو فعلت هذا لما وجدت ثانية واحدة للراحة، ومن ناحية أخرى كنت حريصا على أن ينشأ أطفالي نشأة طبيعية. ولم يكن بالإمكان أن ينشأوا هذه النشأة، والبيت يموج بحشود تبحث عن ” معالي الوزير “. أحيانا كنت أغادر المنزل أو أعود إليه فأجد بعض المواطنين في انتظاري على الباب. كنت أرفض استلام ما لديهم من أوراق وكنت أرفض مجرد الاستماع إلى مطالبهم، وكنت أقول لهم أن المكتب . . والمكتب وحده . . هو مكان العمل.
كنت ولا أزال أؤمن بسياسة الباب المفتوح، ولكني لم أؤمن قط، ولا أؤمن الآن بسياسة الباب المخلوع. لا أستطيع أن أعمل في مكتب تحول إلى مقهى، يخرج منه الخارجون ويدخل إليه الداخلون، في دوامة لا تنتهي من المجاملات الفارغة. كم من صديق – لا أقصد الأصدقاء الحقيقيين بطبيعة الحال – غادر المكتب في أشد حالات الانفعال، لأنه جاء بلا موعد ولم يتمكن من مقابلتي.
وكم من وجيه أقام الدنيا وأقعدها . . لأنه أراد أن يشرب معي فنجان شاي، فقيل له أني في اجتماع. الشعبية كما سبق أن قلت، لا ينبغي أن تكون مطلبا لأحد، والذين يطلبون الشعبية يندر أن يجدوها. عندما تتعارض متطلبات الواجب مع مقتضيات الشعبية، يجب أن تكون الأولوية المطلقة للواجب . . .
في محاضرة ألقيتها خلال فترة الوزارة قلت بها : إن المواطنين يشكلون هيئة رقابة فعّالة، على أعمال الوزارة وموظفيها. المواطن الذي يراجع الوزير متظلما، من أن معاملته معطلة منذ أسابيع في قسم ما، يُعطي الوزير فكرة واضحة عن كفاءة هذا القسم. والمواطن الذي يبلّغ الوزير أنه ينتظر الكهرباء من عدة سنوات، يقّدم أبلغ تقرير، عن فعالية الشركة المسئولة عن الكهرباء في المنطقة.
والمواطن الذي يشكو للوزير، أن موظفا ما في الوزارة قد نهره أو شتمه أو طرده، يُعطي انطباعا يختلف تماما، عن الانطباع الذي سبق أن كوّنه عن ذلك الموظف، وهو يتصرف أمامه، كما لو كان تجسيدا حيا للأدب والأخلاق. حتى المواطن الذي يطلب من الوزير أمرا مستحيل التحقيق، يؤدي خدمة كبرى للوزير، إذ يذكّره أن الشوط إلى رضا النفس ورضا الناس، لا يزال طويلا وصعبا “. انتهى الاقتباس.
* * *
التعليق :
* على ضوء ما تقدم، أود أن اسأل معظم وزرائنا الأكارم : لماذا يُقيمون الحواجز بينهم وبين المراجعين، من خلال الاعتذار عن مقابلتهم وحل قضاياهم، بذريعة أنهم مشغولين باجتماعات رسمية افتراضية، خلف أبواب مغلقة خلافا للحقيقة ؟
* ولماذا لا يعقدون اجتماعاتهم خارج ساعات الدوام، التي يجب أن تخصص لحل قضايا المواطنين ؟ وبعكس سياسة الأبواب المفتوحة، التي اتبعها الوزير القصيبي، فإنهم يلجؤون إلى أسلوب الأبواب المصفحة، ومدراء المكاتب الذين يخفون الحقيقة.
* أرجو أن يستفيد كل مسئول في القطاعين العام والخاص، من الدروس البليغة في الإدارة الحصيفة، وأسلوب التعامل مع المراجعين، كما عرضها الوزير اللامع غازي القصيبي عليه رحمة الله. وعليه أن يتذكّر أيضا، بأنه في الموقع الذي يشغله، خادما للشعب لا سيدا عليه . . !
التاريخ : 30 / 12 / 2025




