العسكري ما بِدوْخ / هبة إميل العكشة

العسكري ما بِدوْخ …
كان ذلك في ربيع عام 2016 على ما أذكر، كنت وقتها أقضي فترة التدريب العملي في مجال التغذية -المجال الذي تركته لاحقاً – في إحدى المستشفيات العسكرية في الأردن. كنت أرتدي الروب الأبيض وسعيدة بتواجدي في عالم الطب و”الخدمة الإنسانية”. وفي أحد الأيام وبينما كنت أجلس في ساحة مبنى المستشفى المليء بالمراجعين والزوار والأطباء، سقط مغشياً عليه شابٌ لم يكن برفقته أحد، وبسرعة البرق تجمّع الناس حوله، بينهم مجموعة من الأطباء الشباب الذين بادروا لإسعافه. أما أنا فراقبت الموقف من بعيد، تاركةً المجال “لذوي الخبرة”. اقترب أحد الأطباء من الشاب المغمى عليه و”لخمه كفّ” ليعيده إلى الوعي، فتح الشاب عينيه قليلاً وكان غير قادر على الحراك أو الكلام، فسأله أحد الأشخاص “عمو، انت عسكري؟ عشان ندخلك على الطوارىء”، وإذ بالطبيب المنقِذ صاحب الكف الحنون يجيب “أكيد مش عسكري، لأنه العسكري ما بدوخ هههههه”، وضحك أصدقاءه الأطباء، وشعرَ هو بالفخر بعد أن قال هذه النكتة المبتكرة، وغادر وأصدقاءه المكان كأن شيئاً لم يكن. بقي الشاب ممداً على الأرض، اقتربتُ وسألته إن كان قد تناول فطوره أم لا، فقال أنه لم يتناول الطعام منذ البارحة. وعلى الفور أسنده عدد من الأشخاص ووضعوه على مقعد في الظلّ، وفي غضون دقائق عادوا وبحوزتهم الطعام والشراب، وتأكدوا من أن الشاب قد استعاد وعيه وأن أحداً من أفراد عائلته جاء ليعتني به.
إحدى صديقات عائلتي كانت تحارب مرض السرطان بكلّ ما منحها الله من قوة، في إحدى المرات، وعندما رأى الطبيب تمسّكها بالحياة سألها عن عمرها، فأجابت أنها في الخمسين قفال لها “بكفيكي خمسين”!
في نفس هذا العالم الذي قد يبدو موحشاً، أعرف أيضاً طبيباً كان يعمل في إحدى المستشفيات العسكرية، ولك أن تتخيل العدد الهائل من المراجعين الذين كان يراهم كل يوم، ومع ذلك فقد كان يساعد المرضى كبيري السن على ارتداء أحذيتهم عندما كانوا ينزلون عن سرير الفحص. يحدثني أبي أيضاً عن طبيبٍ كان يعمل في الكرك، كان هذا الطبيب يتبرع بالدم لمرضاه إذا لزم الأمر أثناء إجراءه العملية، وكثيراً ما كان يوصِل بسيارته المرضى والمراجعين إلى قُراهم، حيث أن المواصلات لم تكن ميسّرة آنذاك. وأعرفُ طبيباً آخر ينام بجانب المريض في الليلة التي تلي عملية القلب حتى يطمئن على استقرار وضعه. وسمعت عن الكثير من الأطباء الذين تنازلوا عن أجورهم أثناء علاجهم لأشخاص ذوي دخل محدود، لا وبل ساهموا في دفع تكاليف المستشفى عنهم.
إذن نجد أنفسنا هنا أمام مفارقة مهمة تجعلنا ندرك أن الطبيب مثله مثل أي إنسان له أخلاقه التي نشأ عليها، وعلينا أن لا نتوقع من كل طبيب أن يحمل خلقاً رفيعاً وحسّاً بالمسؤولية وشعوراً عالياً بالآخر. ربما هذا ما يجعلنا أحياناً نستهجن التصرّف السيء من الطبيب، وأيضاً التصرّف السيء ضده، وكأنه ملاك لا يُؤذي ولا يُؤذَى.
مؤخراً، كَثُرَت الأخبار عن الاعتداءات على الكوادر الطبية، ولن أدخل في تفاصيل هذه الاعتداءات، فهي بالتأكيد مرفوضة جملة وتفصيلاً، وهي حالة يجب أن تقوم الحكومات بمعالجتها ولا يمكن معالجتها بمقال واحد. إنها دائرة مفرغة، تبدأ من نظام تعليمي سيء، ووضع اقتصادي رديء، ومنظومة أخلاقية متهالكة، ونظام صحّي غير قادر على استيعاب الأعداد الكبيرة والمتزايدة للمرضى ويحمّل الأطباء فوق طاقاتهم. أستطيع أن أتفهّم كل هذا، لكن لن أستطيع أن أجدَ في يوم من الأيام مبرراً لطبيب أو طبيبة، ممرض أو ممرضة أهانوا مريضاً أو استغلّوا ضعفه، أو استفزوا ذويه المكلومين، أو “طنّشوا” عن قصدٍ نداء استغاثة منهم.
أنهي مقالي بقصة قرأتها ذات يوم عن طبيب حكيم نصح طبيباً شاباً قائلاً “لقد مارستُ الطب لوقت طويل، ووصفتُ العديد من الأدوية، لكن على المدى الطويل، تعلّمتُ أن أفضل دواء هو الحب”. سأل الشاب “ماذا لو لم ينجح الحبّ كدواء؟… “ضاعِف الجرعة” أجاب الحكيم.

ويبقى سؤال القرن الذي حيّر العلماء وينتظر إجابة الحكماء… هل فعلاً العسكري ما بدوخ؟؟

هبة إميل العكشة
hebaakasheh07@gmail.com

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى