
#العابثون
#منى_الغبين
في وطني،، لم نعتد أن نفكر في أعيادنا بخوف، بل كانت مناسبات فرح وسرور، لقاء بين الأحبة والجيران، وتجسيدا للدفء الإنساني الذي يربط القلوب..
لم يكن عيد الميلاد يوما يحتاج إلى حراسة، ولا الكنائس أماكن تتطلب دركا وعسكرا لإقامة الصلاة، فقد اعتدنا على بساطة وطمأنينة تشبه أهلها، فكان الوطن نفسه يبتسم مع كل مناسبة…
وما قرأته وشاهدته مؤخرا على بعض منصات التهريج، كان مشهدا غريبا على ذاكرتنا الأردنية،، مشهدا يبعدنا عن الحقيقة ويشوه معاني التعايش،فنحن في هذا الوطن، المسلم والمسيحي، عشنا جنبا إلى جنب، شركاء في الخبز والماء والملح والأرض، لا شركاء شعارات رنانة……في الكرك ومادبا والفحيص والحصن، لم يكن الدين يوما يحتاج إلى مبررات أو بطاقات تعريف، فكانت أخلاقنا عنواننا، وضمائرنا مرجعيةلنا…
أما الفتنة، وما أدراك ما الفتنة، فهي دخيلة علينا، ونتاج منشورات مدسوسة تتغذى على الكراهية، فمن يحرض على المسيحي الأردني، أو يشكك في وطنيته، أو يفرح بألمه أو موته، لا يخدم دينا ولا وطنا، بل يصنع أداة لتفتيت المجتمع، كما رأينا حرائق تلك الفتن في سوريا والعراق وغيرها.
ديننا السمح، دين الإسلام، واضح المعالم في حق الغير وعلاقات التعايش… يقول الله تعالى في محكم كتابه: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم». وقال رسولنا المصطفى (ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه يوم القيامة)…
إن علاقة المسلمين بالمسيحيين لم تكن علاقة تسامح هش، بل عهد ومسؤولية، والتزام أخلاقي، فالعهدة العمرية لم تكن منة تمنح، بل وثيقة أمان تضمن الحماية والكرامة، وحتى مفتاح القدس ما زال في أيدي عائلات مسلمة، شاهدا حيا على التسامح والتعايش، وعلى احترام الأديان وحقوق الناس..
وحين استشهدت شيرين أبو عاقلة، لم نلتفت لديانتها، وإنما بكيناها لأنها إنسانة، وصوت حق يسمع….
فهل فعلا يحتاج الأردن إلى تصنيفات وتقسيمات؟!!!
ألا يكفينا ما عانيناه من عنصرية وتقسيم .. هذا أردني وهذا فلسطيني، شمالي وجنوبي، فلاح وبدوي..!!
أما آن لهذه الأبواب من الفتن أن تغلق، وهذه الجروح المفتوحة أن تعالج قبل أن يعبث بها العابثون…
من يسعى لبث الفتنة وفتح جبهات دينية داخل البيت الأردني الواحد، هو أخطر على الوطن من أي عدو خارجي…فالاردن بلاد الرسل والأنبياء، فهنا تعمد المسيح عليه السلام في نهر الأردن، فصارت المياه مباركة، والأرض مقدسة، وهنا صلى المسلمون وحرسوا الكنائس، وحملوا السيف حين كان السيف عنوان الكرامة، لا نشوة دم.
المسيحي الأردني على هذه الأرض ليس ضيفا ولا لاجئا ولا عابر سبيل، بل هو ابنها ومن قرامي الوطن، جذوره في التراب كما جذورنا، ومصيره من مصيرنا… وفي هذا الأردن، لا مكان للتمييز، ولا مجال للفتنة،، الوطن للجميع، والأرض للجميع، والكرامة للجميع…

