وراء الدخان نار / د. محمد خازر المجالي

وراء الدخان نار
د. محمد خازر المجالي

متابعة قضية (الدخان) أفرزت معلومات بدأت تتكشف عما هو أعظم من الدخان، وتكاد الأمور تتضح أكثر، كون الخبر ذكر أسماء كثيرة، ولا ندري من المتهم الحقيقي؟ وهل هي تغطية على أشياء أعظم؟ هي النار لا محالة، وما رأيناه دخان ليس إلا.

مؤلم جدا أن نسمع عن بلدنا الوادع الهادئ، الكرام أهله، النشامى وأهل الغيرة، أن يسود فينا مثل هذا الفكر المنحط، أن يتجرأ الصغير والكبير على انتهاك حرمات الوطن، أن تكون المؤسسات المانعة لحدوث الفساد متورطة فيه، وأن يتنافس الأخسّاء على سرقة الوطن وبيع مقدراته، وتتحكّم زُمر من اللصوص في اقتصاده، لتتراكم المديونية، ولا تكون خطط النمو والنهضة الشاملة، بل لا يكون أي شيء يطمئن المواطن لا على مستقبل أولاده، بل على قوت يومه وراتبه الشهري!

من الذي أفسد المجتمع؟ من الذي سمح للمواطن أن يمد يده؟ لو لم تكن هناك قدوات سوء لما تجرأ الأدنى أن يسرق بوجود الأعلى، ولو كانت هيبة الدولة والقضاء حاضرتين لانتهى الفاسدون عن مغامراتهم، ولكن تواطأ الغالبية، فأثمرت فسادا عريضا متجذرا غدا عادة، بل ثقافة تعود عليها الأردني، وقد كنا نسمع عنها في بلدان مجاورة، وظننا أنفسنا بعيدين عنها، فإذا بالعدوى تنتقل وتتمدد.

مقالات ذات صلة

لا نستطيع أن نؤشر على شخص أو جهة أو منهج ما، فالمجرمون كثر، حين جيء بنواب فُرضوا على الشعب في دورات كثيرة، وحين عُزل كثير من الشرفاء عن الوظائف العامة والبرلمان، وحين حوربت القيم ومبادئ المواطنة الصالحة، وحين تدخلت مصالح أجنبية (ومنها الصهيونية) في شأننا الداخلي، لتوجه بوصلتنا حيث تشاء، وحين يلتهي المواطن بقوت يومه ومتطلبات حياته وتعليم أولاده، وحين تتنفذ قوى غريبة على وطننا وتستلم القرار السياسي والاقتصادي، بل تنفذ إلى الشأن الاجتماعي لتدمر بنيان الأسرة، وتنهار أخلاق المجتمع وقيمه، وحين تتآكل مصداقية الحكم وقواعد الولاء والانتماء، وحين يكون الدستور والقوانين والأنظمة مستَخَفَّة متغيرة حسب المزاج لا حسب المصالح الحقيقية، وحين وحين…

هل يستحق الأردن والأردنيون أن يعيشوا هذه الحيرة والقلق؟ ليتطور الأمر –لا قدّر الله- إلى بغضاء مقيتة تمزق بنيان المجتمع، إقليمية وطائفية وطبقية تأتي على الأخضر واليابس، مع أننا شعب واحد معتز بتنوع ثقافاته وأصوله وأديانه، وشرعية حكامه المرتبطة بنبي الرحمة والعزة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم! ولأنه البلد الوحيد في المنطقة الذي يملك مقومات الصمود، بل الرقي والتقدم!

منطق الأشياء أن الأخطار إن ألمّت بوطن أن يتكاتف أبناؤه، وأن يتفاهموا على أولوياتهم، وأن يتناسوا أي أمر يذكرهم بخلافات أو عداوات أو انقسامات، ليكون الجميع صفا واحدا متماسكا متفاهما مستعدا مضحّيا، ولكن الذي نجده هو غياب التوجيه، وفقدان القدوة، والتهاء بلقمة العيش، وتشتت فكري، وعداوات تتنامى، وكره عجيب مبني على أسباب متنوعة، فلا توجيه وطنيا ولا مبادئ دينية، ولا قيما موروثة، كمن يذهب إلى الوغى بغير سلاح.

يا جلالة الملك، ما زال في الأمر سعة وفسحة، بأن ينجو الجميع، ثق بشعبك، فالأردنيون أحرار لا أغرار، ولعلهم ما زالوا على عهودهم مع الله أولا، ومعكم في التمسك بوطنهم وبذل الغالي والنفيس من أجله، نريد قرارا حقيقيا في حفظ وطننا من كل سوء: أعداء متربصين على اختلاف أنواعهم، واجتثاث فساد متجذر قد يكون نزعه مؤلما. ونريد تماسكا اجتماعيا يؤلف بين أبناء الوطن وبناته، ومسؤولين أكفياء ينهضون بوطنهم، وهم كثر.

نعلم أن الضغوط كثيرة، ولكن ظهورنا بمظهر العالة على الناس يستجدونهم ويركعون لهم، لهو أمر مؤلم محزن، فما كنا يوما هكذا، نحن أحرار نملك مقومات كثيرة، حتى ما بقي –بعد النهب والبيع- فهو كفيل بنهضة وطننا إن وُجد المخلصون، وإن وجدت الثقة بين الشعب وسلطاته، فسنّة الله أن يغيّر الحال إلى أفضل، حين نغيِّر ما بأنفسنا.

إيه يا وطني، ذبحوك، وتلذذوا بذبحك وبسماع آهات أبنائك وبناتك، ولكننا على يقين بأنهم مكشوفون مفضوحون، عاجلا أم آجلا، وأنهم مُهْلَكون عاجلا أم آجلا، فالشعب واع منتبه، وسيقول كلمته يوما ما، وعسى أن يكون خيرا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى