
الدراما الأردنية المتأخرة: انحراف عن الموروث وتشويه سافر للهوية
شبلي العجارمة
الثقافة لدی الأمم والشعوب بمفهومها الحديث هي “أين أنا من الأخر “, بما معناه مالذي أتميز به عن الأمم والشعوب الأخری ,والحضارة کما نعرف هي طيفُُ من ألوان الثقافة وسمتُُ خاص لتقديس الموروث من طراٸق العيش بکل أشکالها کطرق اللباس والمأکل والبناء والفن وما إلی ذلك ,لکن الوعاء الذي يستوعب هذه الحضارة والثقافة ويتم التعبير عنه لإبرازه وإخراجه للمثقف المختلف الأخر عنا هي اللغة بتعدد لهجاتها وتعاطيها من قبل المٶدي أو المتلقي لهذه الثقافة كجزء من الحضارة .
لکن منذ نشأة فن المسرح وتجسيد کل ما يدور في نواحي حياتنا اليومية وتسجيل کل هذه التفاصيل ضمن نصوص يدونها ويخلدها کاتب قاص أو راوٍ ومسرحي وشاعر وفنان فقد أصبح هنا الإنسان ما بين ثلاثة أصناف في التعاطي مع هکذا مشاهد ;فإما أن يکون مٶدياً محترفاً لتجسيد هذه الظاهرة المجتمعية أو الثقافية والسياسية وهو الفنان المٶدي ,أو المتلقي الذي يستقبل عرض هذه المادة ثم تستقر عنده لتأخذ طريقين لا ثالث لهما وهما إما رافضاً أو متصالحاً مع هذا المشهد الذي تتضمنه هذه المادة ,وثالثها الناقد المحايد وهذا إما متخصص أو غير متخصص وإما أن يکون من جنس هذه الثقافة أو من ثقافةٍ أخری ليسجل تصوراته عما تقدمه هذه الظاهرة من إيجاب أو سلب وبالتالي تترسب وتترسخ في ذهنه .
الکاتب ينجب النص ,والمخرج أو المنتج هو من يتبنی تنشٸة ورعاية هذا النص واستخدامه ,لکن نوعية الفنان تحدد الصورة الأخيرة لهذا النص ومدی تأثيره وإيصاله وضمان وصول الشيفرات الفنية الخمس والرساٸل لعناوينها .
ناهيك عن أن التکنولوجيا قد أحدثت مسخاً وشرخاً في جانب المطالعة والقراءة والتعاطي مع الکتاب وهو الراعي الرسمي لکل فکر وثقافة وأدب ,فعلی غرار هذا أصبح الانتشار الثقافي الرقمي أوسع وأشمل وأعم ,فالفکرة الکامنة في بطون الکتب منذ مٸات السنين وأٓلافها يتم صياغتها في غضون وقت قصير لکن عملية بثها وإرسالها للمتلقي تکاد تکون بلمح البصر أو أقل .
إذا بما أن أسرة الدراما بکل تفاصيلها هي الناقل المٶتمن المفترض لموورث هذه الأمة فقد أصبحت تحمل أعتی مسٶولياتها إذ يقع علی کاهلها ثقل أمانة النقل ,لا بل علينا کجهات رقابية أن نتتبع سير تأثير هذه المادة علی المتلقي وأن نحاسب هذا الناقل والمٶدي عندما يسيء ,ونکافٶه عندما يجيد .
علی غرار ما قدمنا هنا ,فقد أصبح الانفصام الصارخ الذي طغی علی مسلسلات الدراما الأردنية المتأخرة بالتحديد شيء مثير للاشمٸزاز ومحبط للذات ومخيب للأمال ,فقد صدمت المشاهد المدني قبل البدوي بعذا المسخ غير المبرر عندما انتقلت من خشونة عيش البدوي وارتحاله عبر الصحراء طلباً للکلأ والماء لماشيته إلی مجرد عاشقٍ حالم أو عاشقة متهورة بلا ضوابط لأخلاق البدوي الذي نعرف علی اختلاف صور البدواة العربية لکن بالتحديد في باديتنا الأردنية بالذات .
مشاهد ساخنة حميمية لا تختلف عن بعض الأفلام العربية التي هبطت بذاٸقة المشاهد العربي ورصدت عنه أسواء ما قدم وأحط ما أنتج ,وعلی کلا الحالين نجد أن الهدف المادي فيما يتعلق بالربح السريع والسهل هما أهم أهداف ما باتت تنطوي عليه هذه المسلشلات والمشاهد والأعمال .
وعلی سبيل المثال لا الحصر ماذا تختلف لقطات ومشاهد مسلسل رياح السموم الحارة والحميمية عن حادثة فهد شوي شوي وهذا المشهد موزع علی کل حلقات المسلسل لجر فٸة معينة مستهدفة لم يحترمها هذا العمل بتاتاً ,ناهيك عن الاستغناء عن الکاريزما التي يتمتع بها بعض عمالقة اللون البدوي من الفنانين العتاة باستبدالها بوجوه شابة غير واعدة تبحث عن الشهرة والربح السريع من قبلهم فيما ينظر لهم المخرج والمنتج الذي أشبهه بالمحرقة والمفحمة حين يأخذ هٶلاء اليافعين لتدني أجورهم ولهفتهم علی حب الظهور والضرب بعرض الحاٸط بمن حملوا رسالة البداوة وهويته المميزة وعبروا بها برغم حلكة الظروف وتواضع الإمکانات,وکل ذلك علی حساب الموضوع والنص وذاٸقة المشاهد والمتلقي والناقد .
علی الوجه الأخر مسلسل جلطة الاجتماعي غير الهادف الذي بات يتسلل لمسخ صورة المجتمع الأردني ونسف هويته وتسويقه بطريقةٍ لا تليق بهذا المجتمع العربي المسلم الإنساني ,کما أن هذه الصورة لا تليق بفنانين اعتدنا علی إبهارهم وثباتهم وتبني ثقافتنا مثل زهير النوباني علی الصعيد الدرامي الجاد وأمل دباس علی الصعيد الکوميدي الساخر الهادف .
في الوقت الذي تواجه فيه مٶسسات الأردنيين الإعلامية أشد الانتقاد وٕأشد مراحل العزوف للمشاهد عنها بوجود المغريات الأخری فإن السياسة التي تدار بها هذه الدفة باتت سياسة رمادية مغلوطة بل عاقة للثقافة وعالة عليها وعلی داٸرة المتلقي بکل أجزاٸها ومحيطها .
إن الانحراف عن الموروث وتشويه الهوية الثقافية هذا النهج الخاطیء المتبع يجب أن يتوقف إذ لا بد أن هنالك خللُُ طاریء ما أو مقصود في أحد عناصر عملية التلقي والتي تعتبر تشارکية تکاملية ما بين الکاتب والمٶدي والمخرج والرقابي والمتلقي .
ما بات يقدم ويتم سجره وتجريعه لذاٸقة المشاهد هو تشکيك بالموروث ومحاولة طمس لتراث ترکه الأباء والأجداد أمانة في أعناقنا علی شاكلة مجموعة من الصور تحمل قيم الوفاء والصدق والشهامة والمروءة والکرم والشجاعة والرجولة فقد تم اختلاسها واغتيالها ما بين عاشقين عابثين أو إمرأة تکيل المکاٸد والدساٸس لقباٸل أو انحطاط باللهجة التي تنفصم عن الزي التقليدي الذي يستخدمه الفنان المٶدي لهذا أو لذاك الدور .
مهزلة الدرما الأردنية حالة من الإرباك مخجلة وظاهرة أخذت تأخذ منحیً خطيٕٛراً نحو تحطيم فسيفساٸية الروح البدوية وتهشيم کل روابطنا بماضينا وتقطيع لکل أوصال جذورنا من أعماقها البعيدة ,إعادة النظر بکل هذه الإشکاليات وسحب البساط من تحت أقدام من يتاجرون بقدسية البداوة الأردنية أصبحت من الحتميات المسلم بها ومن أعلی سلم أولوياتنا إن کان بنا وفاءً لأصولنا وبراً بموروثنا .

