
الخيانة الكبرى عند النمل
بقلم أ.د رشيد عبّاس
بالرغم من أن النمل ضرب لنا مثالاً ساطعاً في التعاون والمشاركة والعمل الجاد والمتفاني في حياته وسلوكه الاجتماعية، إلا أنه تبين أن لديه (خيانة كبرى) لا يمكن تجاوزها والمرور عنها مرور الكرام.
وقبل الوصول إلى خيانة النمل العظمى علينا أن نقف عند ما توصل إليه (إدوارد ويلسون) والذي يعتبر من أبرز علماء الحياة الاجتماعية للنمل من معلومات مهمة، فقد أحدث هذا العالم ثورة في علم الحياة الاجتماعية للنمل، حيث وجد أن للنمل ذكاء هندسي في بناء مستعمراته تلك التي تقاوم الزلازل والاعاصير، وأن للنمل نظام في العبودية والطاعة العمياء، ولديه فنون فائقة في القتال والغزوات، كذلك توصل أن للنمل قدرات فائقة على تذكر المعالم والعودة إلى مستعمراته رغم السفر لمسافات طويلة، وقد استوحى من النمل بعض الخوارزميات لإدارة سنوات المحل والقحط، وأن النمل لديه إجراءات متسلسلة في عملية نقل موتاه إلى مقابر خاصة به.
وعودة إلى بدء، فقد توصل هذا العالم وبالملاظات الدقيقة إلى أن هناك (عدو أول) لإحدى مستعمرات النمل، وقد تم ذلك بعد ثلاث سنوات متتالية من الرصد والتقصي والبحث من تحديد من هو (العدو الأول) لهذه المستعمرة.
في تجربته، تمثل سلوك هذا العدو بالقيام بأكل اجنة النمل الصغيرة في حضانة هذه الاجنة داخل السراديب والانفاق المخصصة لذلك، و العمل على إخفاء جميع أركان الجريمة/ الخيانة، ليتوصل إلى نتيجة نهائية مفادها: عندما تخرج أسراب النمل لجمع وجلب الحبوب من أماكن بعيدة.. يعود بعض النمل بخفة وبخفية عالية إلى مستعمرة النمل ويدخل إلى الاجنة حيث يقوم باعدامها واكلها واخفاء جميع أركان الجريمة متظاهرين بالقيام بتنظيف الإنفاق والسراديب داخل المستعمرة.
انها الخيانة الكبرى لدى ممكلة النمل، كما سماها العالم (أدوار ويلسون)، وقد لاحظ ذلك في أكثر من مستعمرة من مستعمرات النمل المنتشرة في المنطقة التي كان يعيش فيها.
وبعد..
تحديد (العدو الأول) أمر في غاية الصعوبة، ثم أن تحديد كون العدو الأول من الخارج أو من الداخل ايضاً في غاية الدقة والصعوبة، فالعدو الأول قد يكون (مستتر) في الداخل، وإخفاء معالم خيانته بالنسبة له أمر سهل وممكن.. وما مخاطبة إحدى النملات لسيدنا سليمان عليه السلام كما جاءت في كتاب الله عز وجل/ القرآن الكريم والتي تمثلت باروع حوارية عرفتها البشرية والتي انتهت بان تبسم سيدنا سليمان ضاحكاً من قولها.. إلا دليل ساطع على عظمة هذه المملكة.. مملكة النمل.


