الحيّة والثعبان!

الحيّة والثعبان! / #يوسف_غيشان

على زمان الكتاتيب، كان أحد الأساتذة، غير العرب، يعلم التلاميذ اللغة العربية، عن طريق ترجمة مقاطع من كتاب فقهيّ، وقد ترجم لهم عبارة: ” إذا وقعت الفأرة في السمن فخرجت حيّة، يبقى السمن حلالا ً “. لكن أستاذنا اختلطت عليه اللغة فترجم كلمة (حيّة) إلى (ثعبان) بتلك اللغة، فصار المعنى أن الفأرة حينما تقع في السمن تخرج منه (ثعبانا)، فيكون السمن حلالاً.
أحد التلاميذ الأذكياء لم يصدّق الأمر، فقال للمعلم:

  • يا أستاذي …. كيف دخلت فأرة إلى السمن فخرجت ثعبانا ً؟
    فقال الأستاذ:
  • أسكت أيّها الفاسق ……… إنها قدرة القادر.
    أنا أشبه الكاتب الساخر بذلك الولد النبيه، وأشبه قوى الشدّ العكسي بذلك الأستاذ الضعيف (ولا أنكر أنّ هنالك في كل مجتمع أساتذة أذكياء في ممارسة الشدّ العكسيّ)، الذي يحاول تغطية ضعفه بقدرة القادر.
    هذا الطفل النبيه هو الجد الأول للكاتب الساخر، بعد أن انتقل من مرحلة السؤال والدفاع، إلى مرحلة الهجوم لتحرير مجتمعه من هكذا أساتذة. إنه الناقد لنواقص مجتمعه الذي يتعرض دوماً إلى منظومة من آليات الدفاع والهجوم من قبل مجتمعه، وهذا أمر طبيعي جداً، لأن النقد هو تورّط كامل في معركة الحياة، وانحياز إلى جانب التغيير نحو الأفضل.
    هذا الانحياز يلاقي الكثير من المقاومة من قبل المستفيدين من الأوضاع الحالية، عرباً عاربة ومستعربة، بدواً وفلاحين وحضريين، بيضاً وسُمراً وصُفراً وآريّين، مسلمين ومسيحيّين، سنة وشيعة، كاثوليكاً وأرثوذوكس وبروتستانت، عرباً وسرياناً وأقباطاً وبربراً وشركساً وشيشاناً وجميع ما لم يذكر من مكونات العالم العربي الكبير، المتمطّي على قارتين كالديناصور الغافي.
    حتى لو افترضنا أنّ الكاتب الناقد – السخرية أحد أساليب الناقد – يقوم بجلد شعبه وأمّته، فإنّ ما يسمّونه جلداً للذات قد يكون تطهيراً لهذه الذات وتنشيطاً لقواها الداخليّة الحيّة و (مساجاً) للعضلات الروحية، المرتخية والمتشنجة معاً.
    بدون التشخيص الصحيح سيكون العلاج مجرد تسويف وتغطية، وربما قتلاً بطيئاً، وجريمة منظمة تقترف بطيبة قلب. والتشخيص الصحيح والسليم يعني، فيما يعني، تفقّد كافة أجزاء الجسم بكلّ دقة، والتأكد من سلامة الأعضاء ومعاينة تلك الأعضاء المريضة والمصابة، وتقديم تقرير كامل بحالة الجسد للطبيب المعالج، وهذا الشخيص بالطبع لا يحتمل المحاملة والتغطية على الدمامل بالمساحيق، بل ينبغي تحديد إحداثياتها بدقّة، تمهيداً لفقئها وطرد قيحها ومعالجتها، قبل أن تتحوّل الى سرطانات سهلة الانتشار، وقاتلة.
    أما الكاتب الساخر فهو مريض على الأغلب بالتمرّد الدائم على الواقع (المعيوش)، مريض بالتمرد على البداهات التقليدية، مريض، يتأوه ويتنهد ويتعذب، فتخرج أناته على شكل خليط سحري عجيب وفوضويّ من السخرية والمرارة والمقاومة والعبث … والعدميّة أحياناً.
    مريض بالبحث عن آليات جديدة ومبتكرة لنقل المعادل الشعوري لمواقف الناس السياسية والاجتماعية والانسانية.
    مريض بالسعي الدائم والدائب والقلق من أجل التعبير السليم عن واقع يعيشه مع بقية الناس، واقع لا يرونه ولا يقرؤونه في الجرائد الرسمية ولا في تصريحات وزراء الإعلام العرب.
    الكاتب الساخر مريض، لكنه طبيب أيضاً. طبيب لا يعالج ولا يشفي، لكنه يشخص ويوثق لمجتمعه، يشخّص عيوب السلطات أمام الناس ويفقع بالونات البروبوغندا ويبصق على الهالات المزيفة التي يضعها المستغلون (بكسر الغين) حول أنفسهم.
    وهو لا يكتفي بذلك، بل يشخص أخطاء الناس أيضاً التي يصوّرها بشكل كاريكاتيري يجعلهم يعون ممارساتهم المغلوطة، لعلهم يفكرون أكثر إذا قرروا تكرارها.
    يشخص ممارسات الناس السلبية التي تضرّ بهم وبمصالحهم وتحتقر إنسانيتهم، وينتقدهم لأنهم لا يقاومون الفساد والخواء، ويضعون الحق على الآخرين ، في عملية إسقاط نفسي تساهم في تكريس الجهل والرعونة والتخلف الإرادي، وتترك الساحة خاوية للقامعين الذين (يتفرعنون) على البشر ، ما دام البشر خانعين و قانعين و ساكتين .
    الكاتب الساخر أيضاً، يوثق لمجتمعه …. يوثق التاريخ والتأريخ الذي أخفته الجهات ذات المصلحة، فإذا لم نستفد الآن من تشخيصات الناقد في هذا الزمن، فربّما تتهيأ الظروف في المستقبل، لأجيال قادمة للاستفادة من هذا التوثيق، لتغيير واقعهم الجديد.
    الناقد لا يحمل مفتاح الحلّ، ولا يعرف رمز الأقفال، ولا يجيد فتحها عن طريق الاستماع إلى تكتكتاها أو نسفها بالديناميت، وإلا تحول إلى فوضويّ.
    الكاتب الساخر يحمل (جينات) ذات الطفل الذي رفص ترجمة (حيّة) الى ثعبان.
    وتلولحي يا دالية

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى