الحياة مدرسة

#الحياة_مدرسة

د. #هاشم_غرايبه

شخصيا، تعلمت من تجارب طويلة كنت أفقد فيها أشياء عندما أسافر، نسيانا أو بسبب الإرباك من الإنتظار أوتغيير المواعيد، أو كثرة الأشياء المحمولة باليد، توصلت الى طريقة بسيطة لتجنب فقدان أي شيء منها، وهي ان اعتبر كل شيء غرضا، بغض النظر عن نوعه، وكبيرا كان أم صغيرا، ومنذ مغادرتي البيت وحتى العودة إليه أعد ما أحمله بالعدد، فمثلا أقول لنفسي أن معي إحد عشر من الأغراض هي جوازي سفر وتذكرتين وبطاقة حجز الفندق وحقيبتين للملابس وواحدة يدوية ومحفظة نقود ونظارة شمسية ومفاتيح سيارة، وكلما انتقلت من مكان لا أغادره الى مكان آخر إلا بعد أن أتأكد أن الأحد عشر غرضا ما زالت معي.
من أكثر ما يربك المسافرهو أن تتضارب البرامج مع مواعيد الصلاة، فأغلب الفنادق تحتم عليك تسليم الغرفة قبل موعد أذان الظهر، فيكون عليك البحث عن مكان للصلاة، ورغم أن تسهيل الجمع والقصر الذي أكرمنا به رب العالمين، لا يكلف المسافر جهدا يذكر، إلا أن البعض يجد لنفسه عذرا في تأجيلها، لكني لا أفعل مثلهم، إذ أتمثل موقفي أمام الله يوم القيامة حينما يسألني: ألم أنعم عليك بالصحة فبها تمتعت، ورزقتك مالا فوق حاجتك فمن فضله سافرت، وحميتك في حلك وترحالك، وحفظت في غيبتك أولادك، .. وتبخل علي بركعتين هينتين، هل حقا لم تجد مكانا ولا وقتا لها، والأرض كلها مسجد، وقد رخصت لك جمعها وقصرها!؟
في تركيا، البلد الذي تبلغ نسبة المسلمين فيه 99 %، بحثت عن مصلى في المطار فلم أجد، وعجبت كيف أنه رغم كل هذه الرحابة، وتوفر كل المرافق، كيف أن من بنوه نسوا أهم مرفق في حياة المسلم اليومية، لكني أعلم أنه ليس نسيانا، بل تجاهلا مقصودا من الإدارات الأتاتوركية التي سيطرت على الحكم ثمانين عاما.
ذكرت ذلك لأحد أعضاء مجموعتنا السياحية، عرفت فيه أنه من كارهي “أردوغان”، فقال ان المصلى ليس مرفقا حيويا للجميع، فقلت: لنفترض أن نصف المسلمين فقط يؤدون عباداتهم، أليست نسبة 50 % من المجتمع مهمة احتياجاتهم، فيما تجدهم يوفرون كل المرافق الضرورية من ممرات ومصاعد وحمامات وممرات خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة، فيما هم في المجتمع لا يشكلون 1 %.
فقال: ومن أدراك أن نظام “أردوغان” إسلامي، إنه يظهر ذلك طلبا للشعبية، ألم تر الى الخمارات منتشرة، لو كان صادقا لمَ لمْ يغلقها.
قلت: إن كانت إسلامية الحاكم تحقق له الشعبية فمعنى ذلك أن الشعب يريد الإسلام، فهل من الديمقراطية حرمانه مما يريد؟، أما عن مظاهر الإنحلال التي أغرق الحكام السابقون فيها الشباب لصدهم عن الدين، فلا تلغي بمرسوم، بل تحتاج الى تربية أجيال متتالية على الصلاح، أما إن كان مخلصا للإسلام أم لا كما تشيعون، فلا أشق على قلبه، لكني أعرفه من قول ابن تيمية: إذا أردت أن تعرف المخلص للأمة، فتتبع سهام أعداء الدين فهي تشير إليه، ولذلك اسأل أي معادٍ للإسلام عن رأيه في “أردوغان” سواء كان هذا الشخص تركيا أم عربيا أم غربيا، ستجده ممتلئا كراهية له، وهذا هو المعيار، فلو لم يحسوا بإخلاصه لما ناصبوه العداء.
قال لي: أنا لست ضد الإسلام، لكن ضد تصرفات المسلمين، فهم لا يراعون أصول النظافة، ولا يحترمون إنسانية الآخر ولا يهمهم إلا مصلحتهم، وفوضويون لا يحبون النظام.
قلت له: أوافقك على رأيك، وشهدت ذلك في الحج، رغم أن الحاج جاء ليحقق مقاصد العبادات، وهي في جميع ما ذكرت، لكنني لست معك في تحميل العقيدة المسؤولية عن صلاح الفرد، بل هي على عاتق السلطة، فلو كانت إسلامية حقا، لرسخت تلك القيم كتشريعات ولم تبقها منوطة بالأخلاق فقط.
نزلنا من الطائرة ولاحظت أنه ترك على المقعد بعض المهملات، وفي الصف بانتظار ختم الجوازات، قفز متقدما الجميع بصحبة أحد موظفي المطار الذي يعرفه، فافترقنا، وكم كنت أود رؤيته لتذكيره بأنه ارتكب تماما الموبقات الثلاثة التي اتهم المسلمين بممارستها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى