الحياة مدرسة

#الحياة_مدرسة

د. #هاشم_غرايبة

نشر بمناسبة نهاية العقد الثاني من الألفية الثالثة، تقرير منظمة “اوكسفام” عن أحوال البشر، ومما جاء فيه أنه من بين أكثر من سبعة مليارات الذين هم سكان العالم، هنالك 2153 شخصا فقط يملكون 60 % من ثروات العالم، وستة وعشرون شخصا منهم يمتلكون خمسة أسداسها.
شكا لي أحدهم يوما من عدم وجود مشاريع مضمونة النجاح في الاردن، لذلك فهو يودع أمواله في بنك، ويجني من الفوائد مصاريف عائلته ويتصدق بجزء منها.
قلت له مستنكرا: تقصد انك تدفع الزكاة من الربا!؟، رد: لا أنا لا أدفع الزكاة بل تبرعات، وأكمل: هل تعلم أن قيمة الزكاة المترتبة على أموالي سنويا عليها هي 175 ألف دينار..أأنا مجنون لكي أدفع هذا المبلغ!؟..إذا كان ابني طلب مني خمسة آلاف دينار ليكمل ثمن سيارته فضربته على وجهه ضربة كادت تطير عينه..قال زكاة قال..أأنا مسؤول عن فقر الفقراء!؟.
سألته بعد أن هدأت ثورته: استنتجت أنك تملك سبعة ملايين دينار، ما يحيرني بعد أن ملكت المليون الأول، والذي يكفيك وأولادك ولو بلغت عمر المائة، ما حاجتك الى الملايين الأخرى، ولماذا توقع نفسك في غضب الله مخافة نقصانها!؟.
ضحك من سذاجة فكرتي، وقال: لو ملكت مليونا لن تقول هذا الكلام، فأجبته: وأنا واثق من أنني لن أملكه، فقناعاتي تحول دون سعيي لذلك، وأملي بالله أن لا يبتليني بغنى مطغٍ ولا بفقرٍ مذل، فأنا أدعوه تعالى من ضمن ما أدعو به عقب كل صلاة: اللهم بارك لي فيما رزقتني، وارزقني القناعة بما أعطيتني.
طبيعة البشر الميل الى الإستحواذ خشية الفقر ونقص الرزق، فكل الكائنات تقنع دائما بسد احتياجها من الغذاء، وقليل منها يأخذ فوق حاجته، منها ما يخزنه دهونا في جسمه لتعويض فترة انقطاع الغذاء في الشتاء كالحيوانات القطبية، وبعضها يدخر منه في الأرض لوقت الحاجة كالسناجب والنمل، لكن لا يوجد كائن حي يدخر أكثر من حاجته لذلك العام، وذلك لأن كل الكائنات تتصرف وفق غريزتها التي أودعها الله فيها، وهي الإطمئنان بأن الله لها كفيل بتأمين أرزاقها جميعا، فيما الإنسان لا يركن لذلك، بل يستغل عقله وقدراته لجمع أكثر ما يستطيع، ولا يتوقف عن طلب المزيد، حتى لو أن ما جمعه يكفيه فيما لوعاش قرنا.
منذ الأزل، والمصلحون يسعون الى تحقيق العدالة في توزيع الثروات بين البشر، ولو بالحد الأدنى، الذي لا ينتقص من حق المجد المجتهد، ولا يكافئ الكسول المتقاعس، لكن ذلك لم يتحقق أبدا، الى أن نزلت التشريعات الإلهية، فعالجت الأمر بحكمة وإنصاف.
ولأن الإنصاف يحد من أطماع الظالمين، لذا وقفوا في وجه الدين، واستغلوا ثرواتهم في الصد عن منهج الله.
المؤمنون هم من يتبعون منهج الله، ويدينون بدينه، والذي يلزمهم بأن يؤدوا حق الله في أموالهم، ولا يوجد أي منهج غيره جعل الزكاة فريضة واجبة.
يقول تقرير “أوكسفام”: لو اقتطع نصف في المائة من تلك الثروات، لأمكن خلق 117 مليون فرصة عمل تكفي لإعاشة نصف مليار إنسان.
كيف لو كان الإقتطاع إثنان ونصف بالمائة (الزكاة)!!…إذاً لن يبقى فقرمدقع، ولن تتأثر الثروات الفلكية!.
وهذا عين الحكمة والإنصاف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى