
ليس للبيع أوالمبادلة
عاش الأردن منذ شهر أزمة حقيقية، سببها إضراب المعلمين للمطالبة بتنفيذ ما وعدتهم به الحكومة سابقا من منحهم علاوة مقدارها 50 % ، وعدم استجابة الحكومة سببه (بحسب تبريرهم) عجز الخزينة عن الإيفاء بالمتطلبات الحالية.
في حقيقة الأمر ليس الأمر قلة موارد الخزينة، بل سوء التوزيع لتلك الموارد، الذي يعود أساسا لسياسة الإفقار الممنهجة التي تسير عليها الدولة، والتي فرضت عليها من قبل القوة العظمى، من أجل إذلال الشعب وكسر شكيمته الرافضة لتسلط الكيان اللقيط وهيمنته على مقدرات الوطن، فكان ذلك عقابا أولا للشعب وترويضا ثانيا لكي يسلم لذلك الكيان بما اغتصبه ويتخلى عن المطالبة بحقه ثانيا، ويتقبل مشروع الوطن البديل الذي يحقق الأمرين معا ويجعله أمرا واقعاً.
عندها فقط سيرفعون لعنة الإفقار، فتحل البركات وينعم المواطنون بمقدرات الوطن، مع بقاء مفتاح تلك الخزائن من نفط ومعادن وماء بيد الكيان، يفتح منها ما يشاء، فينعم على الراضخين ويحرم رافضي العبودية.
لذلك لم يكن من المتوقع من الحكومة أن تستجيب لمطالب المعلمين، لأنه سيحفز الآخرين للمطالبة بتحسين ظروفهم، الأمر الذي سيخفف قليلا من معاناة المواطنين جراء إثقالهم بالضرائب والرسوم، وسيبعث شيئا من الحيوية للإقتصاد المتأزم، فذلك يخالف نهج الإفقار والتأزيم الإقتصادي الذي يرعاه البنك الدولي منذ ثلاثين عاما، ويراقب تطبيقه بشكل لصيق، من خلال مراجعة دورية كل ستة أشهر، لاقتراح أفكار جبائية جديدة تثقل المواطنين أكثر فأكثر، وذلك لضمان دوام التنفيذ لبرامجه الخبيثة، وسيفه المصلت دائما هو وقف القروض، التي باتت بفضل الفساد وتبديد الموارد مهما عظمت، باتت موردا أساسيا للخزينة.
مرور شهر على بدء العام الدراسي بلا تدريس، خسارة كبيرة على الوطن، قد يكون ليس من السهل تداركها، ولو احتسبت اقتصاديا قد تكون كلفتها أكثر بكثير من الحد الأعلى الذي طالب به المعلمون..فهل ذلك غائب عن الحكومة وأصحاب القرار؟، فلماذا جرى هذا التسويف.. وماذا كان الهدف من وراء إطالة مدة الأزمة!؟.
تحدث الوزير السابق “بسام العموش” ونفر من المسؤولين عن مبادرة قاموا بها للتوسط بين نقابة المعلمين والحكومة، فقالوا انه في الأسبوع الثاني تواصلوا مع النقابة، ولمسوا منها موقفا ايجابيا لحلحلة الموقف، فذهبوا بذلك الى رئيس الوزراء، والذي شكرهم لكنه لم يبدِ أي تجاوب، فمن هي الجهة التي كانت تدفعه للتصلب وعدم التفاوض؟.
لا شك أن ذلك يبين أن هنالك عدم رغبة لدى أصحاب القرار في حل الأزمة بالتفاوض، وذلك ما كان يمنع الحكومة من البحث عن الحل، ولا شك أن ذلك كان وراء تصعيد الأزمة وإطالة أمدها، لأنهم كانوا يراهنون على تكوين رأي عام ساخط على إدارة النقابة من المتضررين من أهالي الطلبة، ويعتقدون أن ذلك يسهل أية إجراءات قمعية يتخذونها ضد المعلمين الذين أثبتوا التفافا حول نقابتهم وصمودا يسجل لهم في وجه التهديد والإغراء.
ذلك أن هذا التلاحم المتين مقلق كثيرا لمن عملوا عقودا طويلة على تيئيس الشعب وإحباطهم لتفتيت صمودهم ومقاومتهم، وأكثر كثيرا من المبلغ الضئيل نسبيا الذي كان سيضاف الى التراكم المزمن في عجز الميزانية.
لكن الرياح لا تجري دائما بما تشتهي السفن، فلم يخطر ببال هؤلاء حدوث النتائج الأخطر، وهي أنه في خضم الجدال بين مؤيدي النظام ومؤيدي النقابة، فقد انفتح المجال للحديث عن أمور لم يكن يجرؤ أحد سابقا على ذكرها، وهي تغول أصحاب النفوذ على قطاع التربية، لتحقيق المكاسب المادية، والتمهيد لأمر كان يخطط بليل وهوخصخصة قطاعي التعليم والصحة.
ولو أخذنا مثالا (لا علاقة له بموضوع المعلمين) يبين كيفية تغول الجهات المدعومة، فقد فُرِض أن لا يقبل الدفع نقدا لبعض الجهات مثل الضمان الإجتماعي والجمرك والأراضي..الخ، بل عن طريق شركة دفع اليكتروني، ولو أخذنا مشتركي الضمان مثالا فمع كل قسط شهري يدفع معه المكلف رسما مقداره دينار ونصف..فلنا أن نتخيل عدد الملايين التي تجمعها هذه الشركة كل شهر بلا أي جهد.
لم يحدث المأمول من الإيقاع بين المعلمين وأهالي الطلبة، بل تحقق إجماع عريض على التضامن مع المعلم. لذلك كان لا بد من حل الأزمة بأي شكل، فقد تأكد لأصحاب القرار أن مطالبة المعلمين بالعلاوة لم تكن الا رأس جبل الجليد.. فالإحتقان الشعبي لم يكن من عجز الموازنة، بل من الفساد المحتمي بالسلطة.
