الجهاز المناعي الأول..

مقال الأحد 27-12-2015
النص الأصلي
الجهاز المناعي الأول..
كلنا نعرف قصة الصينيين القدامى الذين أرادوا ان يبنوا سوراً عظيماً يحميهم من الغزوات والهجمات فكان لهم ما أرادوا حيث بنوا سوراً منيعاً مرتفعاً محصّناً لا يمكن تسلقه أو هدمه أو فتح كوّة في بنائه..لكن المفارقة انه في المئة سنة الأولى من بناء السور تعرّضت الصين للغزو ثلاث مرات ليس عبر القفز عن السور او تحطيمه على الإطلاق، وإنما من خلال دفع “الرشوة” للحارس الذي على الباب..
**
هذه الحكومة والحكومات التي سبقتها لم تجر أي زيادة على رواتب موظفي القطاع العام منذ خمس سنوات متّخذة من الخاصرة الأضعف “رواتب الموظفين” أنموذجاً للتقشف الحكومي ،برغم الفلتان والتبذير في زوايا أخرى لا تجرؤ نفس الحكومة على سدّها او حتى ذكر سيرتها.. خمس سنوات لم يصل الموظف الحكومي قرشاً واحداً من الموازنات العابرة للمديونية ، وكلنا نعرف كيف تفاقمت في السنوات العجاف الأخيرة متطلبات العيش البسيط وكيف تضاعفت المصاريف وأسعار السلع والخدمات والسكن والنقل ..الخ.. على المواطن..ومع ذلك تجمّد متوسط دخل الموظف الحكومي الطاعن في الخدمة بين 400 الى 450 ديناراً…
أستحلفك بالله .. يا رئيس الحكومة..أن توقظ ضميرك قليلاً…وحاول ان تقسّم هذا الراتب على عائلة مكوّنة من خمسة أفراد على الأقل واحكم بنفسك …أستحلفك بالله هل تستطيع انت العيش بمثل هذا المبلغ حتى الأسبوع الأول من الشهر؟..أما سألت نفسك كيف سيكمل الموظف مصاريف الشهر؟ وممن؟ وما هي الطريقة؟…
أنا سأجيبك..فقدت تعوّدت ألا أجامل او أجمّل مهما كان ثمن الحقيقة، “تجويع الحصان” يا دولة الرئيس لم يعد يعني النجاح في التوفير ،”تجويع الحصان” صار يعني أن يبحث الأخير عمّا يشبع بطنه حتى لو بطرق الحرام حتى لا يموت ، كنّا نسمع عن دول عربية مجاورة كان من المستحيل أن تنجز فيها معاملة حكومية – ولو على مستوى استخراج شهادة ميلاد- الا من خلال “دفع الرشاوى”، لكني لم أكن لأصدق ان يحدث هذا في بلدي ، الذي ظل واقفاً وصامداً بكرامة أبنائه طيلة قرن كامل…في الشهور الأخيرة ،تكثفت الشكاوى ، وارتفع صوت الناس،ووثقها لي بعض المستثمرين ، وشخصياً صادفتني أكثر من حالة..لقد بدأت “الرشوة” تنتشر انتشار النار في الهشيم بمختلف المؤسسات الحكومية دون استثناء..صار الطلب علنياً ، والمفاوضة صريحة ، والقبض عند الانجاز…فهل تعلم بهذا يا دولة الرئيس؟..
اذا كان لك معاملة في دائرة حكومية سيما اذا كانت مالية ..بعض من يسعون لك بها أو تحتاج الى توقيعهم ..يفاوضونك على انجازها بعدة أغطية؛ بعضهم يطلب “حلوانا مالياً” وتختلف باختلاف حجم المعاملة..وبعضهم يطلب “قرضاً لآخر الشهر” غير مسدد طبعاً ..والبعض الآخر يسميها “بدل أتعاب”…وبالمناسبة تختلف التسمية حسب منسوب عزّة النفس عند الشخص الطالب…فهل تعلم بهذا يا دولة الرئيس؟..
هل تعلم..لا بل أنك تعلم جيّداً ، مصير الدول التي بدأت فيها “دودة” الرشوة تأكل عظام الدولة بصمت.. أين هي الان؟ وكيف هي الآن؟…وماذا تواجه ألان؟؟…
هل تعلم يا دولة الرئيس..انه اذا انكسرت كرامة الأردني..واستباح الفقر عزّة نفسه…وبدأ يمد يده للغريب والقريب..فإنه لن تنفعنا كل سياسات التقشّف ..ولا التصحيح الاقتصادي..ولا رضا صندوق النقد التي تقاتلون لأجله…فما معنى أن نكسب “السياسة” ونخسر الإنسان.. فإذا خسرنا الإنسان خسرنا الدولة…فهو الحارس على أسوارها ،الأمين على أسرارها، هو كريات الوطن البيضاء، وجهازه المناعي الأول..

احمد حسن الزعبي
ahmedalzoubi@hotmail.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى