
إشكالية التكيّف العربي، الأردن نموذجا
د. ماجد العبلي
الكائنات الضعيفة لديها قدرة عالية على التكيّف بهدف البقاء، أما الكائنات القوية فلديها قدرة عالية على التطور، وإن كانت تلجأ أحيانا إلى التكيف في حالات خاصة أو استثنائية. لذا وعلى مدى التاريخ، وعبر قانون الانتخاب الطبيعي، بقيت كائنات وتطورت، وانقرضت كائنات.
وباعتبار الدول كائنات تولد وتنمو وتشيخ وتموت أو تتحول بشكل أو بآخر، فإن هناك دول قوية جدا، ورغم تبنيها استراتيجية التطور، إلا أنها اضطُرت لتكتيك التكيف مع تغيرات البيئة الدولية عبر التاريخ، لكنه تكيف ذكي يرقى إلى كونه تطورا بشكل أو بآخر من حيث النتيجة باعتباره أداة يتم توظيفها لتحقيق الاستراتيجية.
ولنأخذ مثالا على ذلك (بريطانيا) التي كانت عظمى بحجم امتدادها الجغرافي، وتحكمها بأجزاء كبيرة من الأرض والشعوب. لكنها بعد الحربين العالميتين اضطُرت للتكيف الشكلي الذي ينسجم مع إمكاناتها التمويلية المتناقصة؛ فقلصت أذرعَها الممتدة، لكنّ تكيفها، كان ولا يزال، تكتيكا شكليا ذكيا، حيث حافظت استراتيجيا على قدرة عالية في التحكم والتاثير في البيئة الدولية كدولة عظمى، ومن حيث المحصلة فإن بريطانيا وظّفت التكتيك لتحقيق الهدف الاستراتيجي، فتطورت عبر خفض كلفة دورها الدولي.
أما في العالم العربي، فمنذ بداية حقبة السلام العربي/ الصهيوني، فقد انتهج النظام الحاكم العربي عموما سياسة التكيف مع المشروع الأمريكي في الوطن العربي كبديل للمشروع القومي العربي الحضاري النهضوي. فكان أن تكيف النظام العربي لغويا كخطوة أولى: فدخلت في خطابنا الرسمي وتسربت للغتنا الشعبية وحتى العلمية مفاهيم مثل: الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كبديل لمفهوم الوطن العربي، ودولة إسرائيل بدل الكيان الصهيوني أو الاحتلال الصهيوني، والفلسطينيين بدل الشعب الفلسطيني تكيفا مع المشروع الصهيوني، إلى غير ذلك الكثير..
ثم جاءت الخطوة الثانية الكارثية بتبني برامج الخصخصة، وفتح الباب على مصراعيه للعولمة الرأسمالية، التي تحمل في ثناياها كل مثالب الاستعمار القديم ولكن بوجه مُجَمَّلٍ؛ فكان أن تم التفريط بالقطاع العام الذي صار ناضجا وقابلا للتحول نوعيا نحو الإنتاج الكبير والمنافس إقليميا ودوليا، لدرجة كان قادرا على تحويل الدولة إلى دولة إنتاج ورفاه اقتصادي.
ثم جاءت خطوة تكيف أخرى باهظة الثمن بإحلال إيران العدو الأوحد للعرب بدل العدو الصهيوني؛ للحيلولة دون التعاون الإقليمي الأمني والاقتصادي بينها وبين دول الخليج خاصة والدول العربية عامة؛ لأن من شأن هذا التعاون إفشال المشروع الأمريكي في منطقتنا العربية.
وهكذا صار العرب أسرى التكيف مع المشروع الأمريكي في المنطقة؛ وتخلَّوا طوعا أو كرها عن كل خياراتهم الأخرى، وأحجموا عن استثمار كل الفرص التي أتيحت والتي لا تزال..
إن التكيف المستدام من شانه تغيير طبيعة الكائن المتكيف، وربما تغيير نوعه أو حجمه؛ وهذا يعني أن التكيف العربي مع المشروع الأمريكي الصهيوني في منطقتنا قد يفضي إلى تغيير طبيعة النظم الحاكمة، أو تغيير نوعها، أو تغيير جغرافية دولها؛ حيث هذه المشاريع معلنة ومنشورة، لكن النظم العربية تتجاهل ذلك لغاية في نفس يعقوب..
هذا يعني أن النظم العربية الحاكمة لم تمتلك (استراتيجية التطور) إلا بصورة عابرة وغير ناضجة، لكنها استمرأت على الدوام تكتيك التكيف (إلى ما لا نهاية) مع المتغيرات الخارجية إقليميا ودوليا.
هذا التكتيك (الانهزامي) أضفت عليه النظم العربية الحاكمة شرعية، وسوّقته داخليا باعتباره استراتيجية الأمر الواقع، وأهملت، بل عطّلت كل الإمكانات والطاقات الداخلية الهائلة لشعوبها، حتى مواردها الطبيعية الفريدة التي حباها الله بها، فبدل أن تَمُدَّ الأمة بالقوة، فقد صارت- بفضل تكتيك التكيف (السريالي!)- لعنة عليها زادتها ضعفا وانكشافا. هذه الإشكالية لا يمكن فهمها جيدا إلا بالنظر إليها كنتيجة منطقية لإشكالية (الأحادية العربية) التي تم تناولها في مقالة سابقة (إشكالية الأحادية العربية، الأردن نموذجا).
والأردن منذ تأسيسها ظلت تتكيف مع مصالح بريطانيا، ثم صارت تتكيف مع مصالح بريطانيا وأمريكا، ثم مع توجهات السعودية، ثم مع توجهات العراق، ثم مع مصالح إسرائيل بعد معاهدة وادي عربة، والآن تتكيف مع مصالح كل هذه الأطراف مجتمعة!
هذا التكيف المستمر أضعف الأردن لدرجة تجرأت معها بعض القوى الإقليمية – في سياق مشروع تصفية القضية الفلسطينية – للمس بموضوع بقاء نظام الحكم الهاشمي في الأردن! والخشية كل الخشية أن نظام الحكم الهاشمي لم يعد يملك إلا ربع ورقة لعب، ألا وهي دوره في (تصفية) القضية الفلسطينية، في حين تملك سلطة التنسيق الأمني في رام الله ربعها الثاني، بينما تشترك الفصائل الفلسطينية المناضلة النصف الآخر من الورقة.
هذا التكيف المستمر للأردن ناتج عن استجابته للخارج، وإهماله للداخل. والحل لا يكون إلا بانتهاج القيادة الأردنية نهجا إبداعيا بحيث يجعل الداخل الشعبي أولويته الاستراتيجية، حيث تستطيع القيادة من خلال عودتها للشعب والانسجام مع وجدانه وتطلعاته أن تجدد شرعيتها الوطنية والتاريخية والوجدانية، وهذا سيمنح القيادة مركزا قويا على طاولة التفاوض مع القوى الدولية والإقليمية.
النهج الإبداعي المقترح يمكن ترجمته من خلال مشروع وطني استراتيجي للتطور الداخلي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. هذا المشروع لا يمكن أن يحظى بالمصداقية إلا إذا كان هدفه واضحا وصريحا يلبي طموحات أكثرية أبناء الشعب الأردني، الذين يعانون نتائج احتكار السلطة والثروة من قِبَلِ أقلية- يتم تدويرها مرارا وتكرارا- تتحكم بمفاصل الدولة منذ عقدين على الأقل.
إن الهدف الواضح والصريح الذي يُرضي أكثرية الأردنيين هو: إعادة توزيع السلطة والثروة بعدالة وإنصاف على المواطنين جميعا دون تفاضل بين الشرائح الاجتماعية المختلفة، باعتبار أن المواطنين الأردنيين متساوون حسب الدستور الأردني، وحسب القيم الإنسانية الطبيعية والدينية، هذه هي الصيغة الاستراتيجية الوحيدة المقبولة شعبيا، وهي الصيغة الوحيدة التي ستعيد للقيادة ألق شرعيتها وسحر قوتها.
هذه الصيغة لا يمكن للأقلية المتحكمة بالدولة منذ عقدين على الأقل أن تنتجها أو تقبلها، بل ستحاربها بكل ما أوتيت من قوة؛ لأنها ستؤدي إلى تراجع مراكزهم في السلطة والثروة قليلا أو كثيرا؛ لذا فإن (مؤتمرا وطنيا شعبيا) يدعو له الملك ويرعاه باهتمام، ويُقِرّ نتائجه، سيكون قادرا على إنتاج هذه الصيغة الوطنية الاستراتيجية التي ستحقق المصالح الوطنية الاستراتيجية العليا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. إن هذه الصيغة قد تتبلور على صورة (ميثاق وطني جديد) يؤسس لملكية دستورية حديثة تقوم على المأسسة والعدالة وسيادة القانون والمساواة بين الأردنيين جميعا.
وإن أية صيغ أخرى يتم طرحها على الشعب الأردني غير هذه الصيغة – وخاصة في ظل ضغوطات واستحقاقات صفقة القرن – فسوف تكون نتائجها المزيد من الاحتقان الشعبي، والمزيد من مساحات ومسافات عدم التأكد ما بين الشعب والقيادة؛ الأمر الذي سينعكس سلبا على المركز التفاوضي الخارجي للقيادة الأردنية، ما يجعل إمكانية فرض التسوية على الأردن الاحتمال الأكبر. وإذا حصل ذلك فستزداد الأردن ضعفا، وستفقد أهميتها الاستراتيجية إقليميا ودوليا، ما قد يمهد لتغيير تركيبتها جوهريا.



