
د. #هاشم_غرايبه
من أكبر الأخطاء وأخطرها تأثيرا، اعتقاد المسلمين أن سبب عداء الغرب لهم يعود الى عدم فهم الاسلام على حقيقته، أو فهمه بصورة خاطئة، فيتوهمون أنه لو جرى عرضه لهم بطريقة مقنعة لتوقف عداؤهم له.
هذا الوهم الخاطئ عند المسلمين هو أحد أهم أسباب استمرار الصراع القائم بين الطرفين، منذ فجر الدعوة والى اليوم، والذي لم يتوقف في أية حقبة تاريخية.
في حقيقة الأمر، ليس الغرب جاهلا بالإسلام، ولا هو بحاجة الى أن يشرحه لهم أحد، بل قد يعرفه مفكروهم وسياسييهم أكثر بكثير من معرفة كثير من مثقفي المسلمين أنفسهم.
وفي التاريخ كثير من الممارسات التي تتماهى مع هذا الخطأ الاستراتيجي، ومحاولة القادة المسلمين إظهار مدى سماحة الإسلام وكرم أخلاق متبعيه، لكن ذلك لم ينفع بتغيير حالة الحقد الأوروبي ضده، وفي أغلب الأحيان لعب ذلك دورا في تعظيم خسائر المسلمين، أو الانتقاص من مكتسبات انتصاراتهم.
التفسير الصحيح لحالة الحقد الصليبي التعصبي ضد المسلمين، هو ما أورده كتاب الله: “وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ” [البقرة:109]، ولما كان الحسد هو شعور ينبع من الداخل بسبب الضغينة والغيرة، ويؤدي إلى الرغبة في زوال نعمة الغير، فلا يغيره حسن أخلاق المحسود، ولا ينقصه تبرير ولا توضيح.
وفي حالة تحرير القدس على يد صلاح الدين أكبر مثال على ذلك:
فمعروف أنه بعد احتلال الصليبيين للقدس لمدة 87 عاما، شن معركة حطين الفاصلة عام 1187، والتي على إثرها انهارت مقاومة الصليبيين، وبعد حصار قصير سقطت القدس المحتلة، وفاوض المحتلون على تسليمها، وعندها أظهر صلاح الدين الفارق الهائل بين الخلق المسلم والخلق الأوروبي، ففي حين نكل الصليبيون بسكان القدس حينما دخلوها عام 1099، وقتلوا كل من وجدوه من غير تفريق بين المدني والعسكري، ونهبوا الممتلكات، ثم دمروا وحرقوا المدينة، فإن المسلمين أمنوا جميع المحتلين على أنفسهم، وسمحوا لهم بالخروج بمملتكاتهم، وحاول مساعدوه أن يقنعوه بمصادرة الذهب على الأقل، فقد خرج أسقف القدس يقود أربعة بغال محملة بالذهب، فرفض قائلا: لقد أعطيتهم الأمان على انفسهم وأموالهم.
ما لا يعرفه كثيرون أن القدس لم تدم في يد المسلمين الا سنة واحدة، فقد انتقل الصليبيون بذهبهم الذي نهبوه الى صور، وتمكن ريتشارد قلب الأسد الذي سمح له ضلاح الدين بالخروج سالما من تجميع قوى الأوروبيين من جديد، وعاد بأسطول بحري ضخم ليعزز القوات المتمركزة في صور، والتي توسعت واحتلت الساحل الى عكا.
وسبب كل ذلك كان الاصرار على التعامل مع العدو الحاقد بشهامة ونبل، وحدثت اللدغة هذه من الجحر ذاته في كل العصور، فحينما استسلم ابو عبد الله الصغير للإسبان، أخذ عليهم عهودا ومواثيق مغلظة، وكتب اتفاقية من سبعين بندا تؤمن المسلمين على دمائهم وأموالهم ومعتقدهم، وشهد عليها البابا نفسه، لكنهم
نكثوا بعهدهم وارتكبوا بسبب حقدهم على المسلمين أبشع الفظائع التي عرفها التاريخ.
وفي العصر الحديث ما زلنا لم نغادر حالة الغفلة والبله هذه، فبعد سقوط الأندلس، أجارت الدولة العثمانية اليـ,ـهود الذي كانوا يعيشون في كنف المسلمين فيها وبرعايتهم، وأكرموهم وأنزلوهم مناطق خاصة غرب تركيا، لكنهم ما حفظوا الجميل، فأصبح يهـ.ـود الدونمه طابورا متآمرا مع الانكليز، وكانوا عاملا أساسيا في سقوطها.
الآن يحاول عربان التطبيع إقناع المقاومين بتسليم سلاحهم، على أمل العيش بسلام، لكن العاقل المتبصر في أحداث التاريخ يعلم أنها خديعة لأجل استئصال شأفتهم وترك الساحة خالية للعملاء والمتاجرين بالأوطان.

