
التاريخ المُزوّر و #التوسعات_السياسية باسم الدين حين يُستخدم الإيمان لتكريس #الهيمنة
المهندس محمود ” محمد خير” عبيد
منذ فجر التاريخ، كانت #الأديان_السماوية رسالة للخير، ومنارة للرحمة، وبوصلة للهداية، لكن الإنسان، حين أصابه جشع السلطة، حوّل قدسية الرسالة إلى مطية لأطماعه، وجعل من الدين ستارًا يحجب خلفه وجوه الاستبداد، والتوسع، والفساد, الأديان السماوية مجتمعة في جوهرها دعوةٌ للإيمان، لا الإكراه؛ للحرية، لا الاستعباد؛ للنور، لا التعتيم. لكن ما إن خفت صوت النبوة، وانتهى عهد الخلافة الراشدة، حتى انطلقت موجة من “التدين السياسي”، استخدم فيها الحكّام النصوص لتدجين #الشعوب، وتبرير الدم، وإعادة تشكيل العالم على مقاس سلطاتهم.
ففي زمنٍ ارتفعت فيه رايات الجهل تحت اسم الدين، وامتهن فيه البعض احتكار الحقيقة باسم السماء، آن الأوان أن نستعيد جوهر الإيمان من براثن الدجل، ونُعيد صوت العقل إلى مكانته، ونُحرر الدين من قبضة من حولوه إلى وسيلة للسيطرة، لا وسيلة للهداية.
لقد حذرنا الله تعالى في كتابه الكريم من اتباع الظن والتقليد الأعمى، فقال ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ , وذكّرنا بأن الجهل ليس مبررًا بل بلاء، وأن اتباع الهوى باسم الدين جريمة في حق الله والإنسان.
وفي الإنجيل، يقول المسيح عليه السلام “تضلّون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله” رسالة السماء واحدة في كل الكتب، اعرف، تعقّل، لا تتبع ما لا تفهم، ولا تقدّس ما لم يُمتحن بالنور والحق.
الأديان كافة كانت وما زالت وستبقى للهداية والرحمة، لا أداة للهيمنة و السيطرة على البشر لأهداف و اجندات سياسية و توسعية، الأديان كما أنزلها الله، جاءت نورًا للعقول، ورحمة للقلوب، وانفتاحًا على الآخرين لا إقصاءً لهم. لكن التعصب الديني الأعمى، الذي تسلّل عبر قرون من الجهل والسلطة، جعل من الدين قيدًا بعدما كان حرية، وجعله سلاحًا بيد المستبدين بعدما كان ملاذًا للمستضعفين.
الأديان السماوية جميعها نزلت لتكريم الإنسان، لا لتقزيمه؛ لنشر العدل، لا التسلط؛ لزرع الرحمة، لا القسوة.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ , ويقول المسيح عليه السلام “طوبى لصانعي السلام” فأيّ دينٍ هذا الذي يحرّض على القتل والسبي والاستعباد, أيّ دينٍ يُشهر باسم الله، بينما يُسفك به دم الأبرياء ويُشرعن به الظلم؟
ان ما حصل ما بعد الخلافة الراشدة, ما هو الا صراع سلطة بثوب الدين, فبعد عهد الخلافة الراشدة، انحرف المسار، ولم تعد السلطة انعكاسًا لقيم الإسلام، بل تحولت إلى مشاريع توسعية وسياسية، اتخذت الدين غطاءً, فالأمويون حوّلوا الخلافة إلى ملك وراثي، قتلوا الحسين، وأخضعوا الأمة بالقوة، واتخذوا المنابر وسيلة للدعاية السلطوية, العباسيون رفعوا شعار “الرضا لآل البيت”، ثم غاصوا في الترف والفساد، واستُخدم الدين لتصفية العلماء والمعارضين، كما في محنة خلق القرآن, الفاطميون جعلوا الدين أيديولوجيا مذهبية، وبنوا خلافتهم على فكرة “الإمام المعصوم”، فاستُبدل العقل بالتبعية, المماليك لم يكونوا من أهل الأرض ولا الدين، لكنهم استغلوا العلماء لتحصين سلطتهم، بينما كانت أحوال الناس في تردٍّ دائم, العثمانيون رفعوا راية “الخلافة الإسلامية” لقرون، لكنها كانت إمبراطورية توسعية همّها النفوذ لا النور، واستعمارًا باسم الدين.
فعلى مدى 1400 عام لم تكن العصور التي مضت عصور مجد، بل عصور انحدار، حيث اختُزل الدين في شعارات، وصار وسيلة للجباية، والتوسع، وقمع المعارضين, فلا ينبغي أن نخدع أنفسنا ونمجد من استعمرونا باسم الدين، أو من جيروا حضارتنا لخدمة سلطانهم.
كفانا تمجيدًا لعصور الظلام, يا من تدّعون الغيرة على الدين، اتقوا الله فيما تروّجون له باسم الدين و الدين منكم و من حلفائكم براء, إن الدين الذي تُدافعون عنه ليس ذاك الذي أنزله الله، بل هو دين السلطة، دين الشيوخ المتسلطين، ودين التقاليد البالية.
1400 سنة من التناقضات، من الدعاء على الآخرين بينما نحن من تشتتنا، سُبيت نساؤنا، نُهبت أوطاننا.
نصلي للاستسقاء وأرضنا عطشى، نُخرج الزكاة والفقر في ازدياد, بينما أممٌ لا تعرف قبلتنا تحوّل الصحراء إلى جنان، وتُخرِج الماء من الهواء.
هل يُغضب الله أن ندخل بيتنا بقدمنا اليسرى، أكثر من أن تُسلب امرأة أو يُقتل بريء, هل يُرضي الله أن نمنع المرأة من التعليم والعمل، بينما نُهمل المظلوم، ونتجاهل الأيتام والمهجرين, أين الدين من كل هذا؟ أين الجوهر, نحن أبناء عصرنا, ولسنا عبيدًا لتاريخ مزيف.
من الخطأ أن نُجبر على أن نعيش كما عاش قوم قبل 14 قرنًا، وأن نُقيس حياتنا بمنطقهم، فالله لم يخلقنا في هذا الزمان عبثًا، ولم يمنحنا العقل لنُعطّله ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الخلاص ليس في استعادة “خلافة” لا روح فيها، بل في بناء دولة إنسانية، تعلي من شأن الإنسان، وتحترم العقل، وتُقيم العدل والرحمة والحرية.
الدين لا يُختزل في مظاهر الله لا يُعبد بالذل, والكرامة ليست بدعة, والعقل ليس عدوًا للإيمان، بل هو شرطه, علينا ان لا نسلم عقولنا لمن يخوّفنا من السؤال، و ان لا نبيع ضمائرنا لمن يساومونا على الجنة بالطاعة العمياء, و لا نترك من يسلب أرواحنا تحت راية منمقة باسم “الدين”., فالدين كان و ما زال و سيبقى لله, ليس لأولئك مسيلمات السلاطين و دجاليهم الذين يتسلقون على أكتاف الجهال، و اتباعهم العميان, ولا لأولئك الذين جعلوا من منابر المساجد و المعابد سوقًا, ومن الفتاوى تجارة، ومن الخوف طريقًا إلى العرش.
كل الكتب السماوية اتفقت على أن الله لا يريد منا مظاهر، بل جوهرًا، لا شعائر فارغة، بل قلوبًا تعمر بالحق.
“فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ” و كما جاء في الكتاب المقدس “أُريد رحمةً لا ذبيحةً” “اختبروا كل شيء، وتمسكوا بالحسن”.
علينا ان نعود لجوهر الدين ووجهه الحقيقي كمنارةً للسلام، لا سيفًا للطغيان، و لنعمل على إعادة للعقل مكانه شريكًا في الإيمان، لا عدوًا له، ولنصنع تاريخنا نحن… لا أن نُساق خلف تاريخ مشوّه باسم القداسة.
الدين كان و ما زال و سيبقى لله وحده, أما الحق، فليس حكرًا على أحد, والنور لا يخاف من أن يُضيء.