
البيئة الاردنية غير حاضنة للارهاب
يخدع الارهابيون انفسهم ، ان كانوا من داعش او غيرها ، ان اعتقدوا انهم بمثل عملية الكرك وما سبقها سيجرون البلاد الى مستنقعات الفوضى والارهاب والاقتتال الأهلي . هم قد ينجحون في قتل ابرياء او أفراد من الامن ، كما فعلوا في الكرك والبقعة
واربد نظرا لطبيعة العمل الارهابي الذي يتصف بالجبن والتعمد في اصطياد الأبرياء بدون مواجهة مكشوفة . لكنهم – في الاردن – لن ينجحوا في ايجاد حواضن شعبية لهم ، في الحواضر والارياف والبوادي الاردنية ، تنخدع بشعاراتهم أيًّا كانت دينية او جهوية واقليمية .
البيئة الاردنية لن تكون حاضنة للارهاب للاسباب التالية :
١- ضمن الحرب القائمة داخل الاسلام في الشرق الاوسط لا يوجد في تركيبة الاردن السكانية مذهبيات متعصبة متربصة ببعضها تتكئ على تراث من الفتن الدينية السوداء ، منذ كربلاء حتى حكم الأئمة في طهران .
٢- ولا توجد في الاردن مناطق بانتماءات قومية مختلفة ومتخالفه تطالب بالانفصال او الاعتراف لها بهوية غير الهوية الاردنية وعلى العكس فكل ما على ارض هذا الوطن من مختلف المنابت والاصول يتسابق لإظهار تمسكه بالهوية الاردنية التي اتسعت لكل عربي ، في زمن انتشرت فيه أوبئة الإقليمية والمذهبية المتعصبة حتى اصبح العربي غريبا في بعض أوطانه حاله حال المتنبي في وصف حالته عندما زار بلاد فارس بقوله ” وما مقامي بأرض نخلة – إلا كمقام المسيح بين اليهود ” وقوله ” ولكن الفتى العربي فيها – غريب الوجه واليد واللسان “.
٣- ولأن علاقة الحكم الملكي الهاشمي بشعبه على مدى قرن او اقل قليلا هي علاقة رب الاسرة بأفرادها . فلا فاصل ولا جدران بين ملوك الهاشميين وبين أبناء شعبهم . قد يغضب الاردني من سياسة او قد يكره رئيس حكومة او وزراء ، لكنه لا يغضب على دولته ، ولا يكره جيشه واجهزة أمنه ، لانه يعي عمق روابط المصير بينه وبين الدولة ومؤسساتها ونظامها الملكي . لم يأت ذلك بين يوم وليلة انما هي ثقافة وطنية اردنية رسختها التجارب والمحن والمواجهات خلال تسعة عقود ونيف . النظام الاردني ليس مثل النظام السوري ولا يقارن بغيره من الانظمة التي جرت بلادها وشعوبها الى الدمار والقتل ومستنقعات الارهاب . عندما كان الملك الهاشمي يواجه معارضين او انقلابيين من بين صفوف شعبه لم يقم بإرسالهم الى ساحات الاعدامات الجماعية ولا الى سجلات المفقودين ، كما لم يمارس ضد اهلهم وعشائرهم العنف والاقصاء والارهاب ، في سوريا آل الأسد كانت السجون تضم مهاجع وعنابر من النساء والاطفال من أسرالمعارضين الهاربين انتقاما وضغطا عليهم . في الاردن كان الملك هو من يتعرض للضغوط من قبل أهالي وعشائر المعارضين عند اعتقالهم من اجل اطلاق سراحهم بالعبارة العشائرية التقليدية ” اذا أخطأوا ياسيدنا فهم اولادك وإخوتك “. ولهذا خلت السجون من السياسيين المعمرين فيها وخلت سجلات منظمات حقوق الانسان من المفقودين .
٤- ولأن الاردنيين يعلمون ويعرفون بان أمنهم واستقرارهم وقوة جيشهم ويقظة أمنهم هي الضمانة التي لا غيرها ولا سواها لكي لا يلحق الاردن بمصير فلسطين ، ويعلمون بان العدو المتربص بهذه الارض المقدسة وشعبها ،هي اسرائيل ومن يساندها ، الذين لا يرون حلا نهائيا يريحهم من قضية الشعب الفلسطيني الا بتصدير الحلول السوداء الى الاردن بخلق اقتتال داخلي يبهج الكيان الصهيوني ويرسخ امن احتلاله وتوسعه ، وهو الذي لم يكن ليحلم بالمكاسب الكبيرة التي بات يحققها لها أهل الفتن القائمة في سوريا والعراق وأماكن اخرى ، واول هذه المكاسب تهميش قضية فلسطين عند غالبية العواصم ولا غير الاردن وفلسطين منشغل بها اليوم وسط انشغال أهل الطوائف بحروبهم ودويلاتهم وميليشياتهم التي قسمت البلاد والعباد .
وأخيراً لا بد من القول بان كل هذه الايجابيات التي ارى انها موانع قوية متجذرة تطرد كل ارهاب وتطرف من البيئة الاردنية لا تكفي لخلق دعامات ومصدات اقوى وسط اقليم لا يأتي منه الا رياح خماسينية مسمومة جافة ومنتنة . ..هي ايجابيات ، تدفعني وتدفع غيري من ابناء هذا الوطن ، لاعلاء الصوت بان لا تعتمد الدولة على لغة التهديد والوعيد فقط للتصدي للارهاب ” ولمن قد تسول له نفسه ” انما اعتمادها الأكبر ينبغي ان يكون على تعزيز وعي الاردنيين بواجباتهم نحو دولتهم ووطنهم بما يجعل كل مواطن حارس ورقيب على امن بلده ، وعي يلزمه الشعور بانه شريك مع النظام لا مجرد دافع ضرائب ، شريك في الاصلاح ومحاربة الفساد والمسؤولية الوطنية حتى يحتمل هذا الوعي كل ضغوطات البطالة والفقر والعزلة والضائقة الاقتصادية والمالية التي قد يستغلها قادة داعش او غيرهم لسفك مزيد من دماء الأبرياء في هذا الوطن الغالي باستغلال ضعاف الخلق والدين والوطنية .
الرحمة لشهداء الامن وللمواطِنين والسائحة الكندية والعزاء لأسرهم جميعا ، تحية للكركيين أهل النخوة والوطنية ، والخزي والعار للارهابيين .


