
الانتحار
بون شاسع بين التضحية بالنفس والانتحار، بين العبث بحياتك وحياة الاخرين وبين الموت عن شيء مقدس، حتى ذاك المقدس اختلفت الاديان والعلماء حوله، واتفق على ان الانتحار هو تعمد قتل النفس بفعل عوامل عدة كالاكتئاب والفصام والإدمان على الكحول والمخدرات .
مر في التاريخ احداث انتحار جماعي كان اشهرها وربما ابشعها الانتحار الجماعي لطائفة جونز تاون البروتستانتية في امريكا عام 1978م حيث استخدم السيانيد المخلوط بشراب العنب فقتل ما يقرب من 900 شخص، وعرفت باسم الانتحار الثوري.
تستند اغلب حالات الانتحار لمبررات يصل لها المُنتحر بعد مروره بحالات نفسية تفقده الرغبة في الحياة، وقد شهدت هذه (الظاهرة) زيادة ملحوظة في الاردن بالسنوات الاخيرة حتى صارت تشكل حالة قلق اجتماعي يرده اغلبية المتابعين للفقر وضعف الايمان حيث بلغ عدد المنتحرين في العام الماضي 2016م (117) حالة، غالبيتهم من الشباب، وبالتدقيق تبين ان عمان العاصمة والكرك المحافظة سجلت اعلى الارقام .
لا تختلف الشرائع السماوية والوضعية حول تحريم الانتحار وان وجد من فلسف الامر وأعطى الانسان حق الخلاص وإنهاء حياته، خاصة الموت الناجم عن الامتناع عن الطعام والشراب، او ما كان يحدث في الهند حين تلحق الزوجة بزوجها سواء برضاها او كرها، او ما كان يفعله الساموراي في اليابان.
وبعيدا عن التفاصيل فنحن في الاردن نمر بمرحلة اقتصادية خانقة دفعت وتدفع الكثيرين للخلاص بإنهاء حياتهم، وهو امر مرفوض لا يقبله عقل ولا دين، ولست هنا بصدد اتهام الحكومة بالتقصير فهو امر مسلم به، وإلا ما الذي يدفع كثير من الشباب للالتحاق بالعصابات الارهابية بدعوة الجهاد بدءاً من تشجيعهم للقتال بافغانستان ضد الشيوعية فترة من الفترات وليس انتهاءً بداعش التي تفننت في توظيف الفقر لدفع الشباب للانتحار باسم الدين.
واذا ما استثنينا شهداء فلسطين الذين قاتلوا العدو الصهيوني الظالم المغتصب للأرض والذي يرتكب مجازره التي تدفع بالشباب الفلسطيني لاستخدام كافة الوسائل لتحرير الارض والانسان بما فيها الاحزمة الناسفة، فان كل ما عدا ذلك فهو جريمة بحق النفس والانسانية، وقد تفنن الجهلة والمُغرضين بإقناع الشباب بجدوى انتحارهم سواء في سوريا او العراق وغيرها من الأماكن، عدا عن عشرات المحاولات الفاشلة على المستوى الفردي او التنظيمي .
وحتى لا تبدو المقالة تأريخا للانتحار يتوجب علينا كدولة وأفراد ان نجفف العوامل المشجعة على الانتحار وقتل النفس والآخرين بدوافع الفقر والجهاد، وحتى لا نبدو منظرين نمارس الترفٍ فكري على الدولة ان تصنع حالة مجتمعية واعية لعدم جدوى هذا التصرف ايا كان دافعه، وبقدر ما تحمل هذه الخطوات من مخاطر على الشباب بقدر ما هي ضرورة لذا يتوجب العمل عليها بحذر من قبل مختصين في علم الاجتماع والدعاة .
ان الجرائم التي ترتكب تحت عنوان الانتحار كثيرة كذاك الذي انهى حياته وحياة اسرته وهو تحت تأثير المخدرات او الصدمات النفسية، او المتلبس ثوب الدين القاتل لنفسه وللمارين في الشوارع او المحلقين في الطائرات وقتله اطفال ونساء ابرياء بدعوة الجهاد، يتطلب منا الانتباه لسلوكيات ابناءنا خاصة في الاعمار ما بين 15-29 عام وهم الفئة الاكثر هشاشة وتعرضا للازمات النفسية والأقل وعيا ونضجاً.




