الدولة القطب / محمد نغوي

الدولة القطب
لقد ثبت من خلال التجارب والتاريخ بأن أي تجمع مهما صغر أو كبر، ومهما كانت أهدافه وتطلعاته، وسواء كان على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الدول، فإنه يجب أن يوجد فيه طرف قائد يدور باقي الأعضاء في فلكه، أو على الأقل يتناغمون معه، فالقائد هو من يكون وجوده سبباً لإحداث الافعال وليس العكس، فالأعضاء الآخرون مقيدون بقدراتهم ورغباتهم بموافقة القائد ومساهمته الفاعلة،وهذا أمر ملموس في كل التجمعات الاقتصادية والأحلاف العسكرية، فما يقال عن وجود (دول أعضاء متساوون) عند تشكيل هذه التجمعات والأحلاف هو كلام نظري لا يمت للواقع، فالمساواة بين الاعضاء قد تكون من أسباب فشل مثل هذا التجمعات، لأنه ببساطة تختلف مكانة وقدرات وإمكانات وقوة كل عضو عن الآخر، فتتجه القيادة والريادة تلقائياً لتصبح في يد الدولة الأقوى إقتصادياً وعسكرياً، ومن الأمثلة على ذلك حلفي الناتو حالياً ووارسو سابقاً، على الرغم من أن ميثاقي تأسيس الحلفان يؤكدان على أن أعضاء كل منهما متساوون، إلا أن الواقع كان غير ذلك، فدول وارسو سابقاً والناتو حالياً غير قادرة على إتخاذ أفعال عسكرية أو شن حروب بمعزل أو بإستثناء أكبر عضوين فيهما وهما الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة، فمنذ بداية الأزمة السورية اتجهت رغبة أعضاء رئيسيين وكبار في حلف الناتو مثل تركيا وفرنسا وبريطانيا للتدخل العسكريالمباشر في تلك الأزمة، ولكن تردد الولايات المتحدة وعدم رغبتها بالتدخل الواسع (لأسباب ستتكشف في المستقبل) كان سبباً في عدم قدرة تلك الدول على التدخل الواسع، والذي كان يمكن أن يؤدي إلى تغيير مسار الأزمة السورية، وكان سيحد من حجم التدخل الروسي والايراني فيها، فوجود حلف الناتو ورغبته بالتدخل العسكري في أي مكان في العالم مرهون برغبة الدولة الأكبر والاقوى فيه وهي الولايات المتحدة. بينما أمكن للولايات المتحدة أن تتدخل عسكرياً في نزاعات عسكرية حتى دون اشراك معظم حلفائها في الناتو أو حتى موافقتهم مثل حرب احتلال العراق.
أما فيما يتعلق بالتجمعات الاقتصادية مثل منظمة الدول المصدر للنفط (أوبك)، فنظراً لتفاوت القدرات الانتاجية والاحتياطات النفطية بين أعضائها فمن المعلوم بأن أية قرارات تصدر عنها فيما يتعلق بالانتاج والحصص مرهونة برغبة ومصلحة كبار المنتجين فيها، ومن الأمثلة أيضاً الاتحاد الأوروبي الذي يتكون من 28 دولة إلا أن أربع دول كبرى هي من تحكم سياساته وهي الدول التي تشكل اقتصادياتها ثلثي اقتصاد الاتحاد الأوروبي وهي ألمانيا وبريطانيا (إلى ان تنسحب رسمياً منه) وفرنسا وإيطاليا، ووجود أكثر من دولة كبرى في نفس الاتحاد قد يؤدي مستقبلاً إلى فشله أو على الأقل إلى إنسحاب لبعض الأعضاء الكبار، حيث راينا بعد تصويت البريطانيين على الانسحاب من الاتحاد أن تعالت المطالبات في ايطاليا لفعل نفس الشيء، وذلك بسبب تعارض المصالح الوطنية والإرادات السياسية لهذه الدول الكبيرة.
إن وجود دولة قائدة أو (قطب) هو شرط أساسي لإستمرار أي شكل من اشكال التحالفات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وهو الأمر الطبيعي وسنة من سنن الكون (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)، لأن وجود أعضاء متساوون لن يسهل إتخاذ القرارات، ووجود دولة كبيرة رئيسية سيكون محفزاً للدول الاصغر لتبني إتجاهات وسياسات تخدم التحالف، وللأسف، فإن هذه النظرة بقبول وجود دولة مركزية ضمن التحالف، لم يتطور الفكر السياسي العربي حتى الآن لتقبلها، فنظرة النخب السياسية العربية لأي شكل من أشكال التحالف أو حتى التوافق ترتكز على مبدأ المساواة الكاملة بين الأعضاء، وهذا يستحيل أن يتحقق، وهذا ما أثبت فشله التاريخ، فلو نظرنا إلى دولنا العربية سنجدها متفاوتة فيما بينها بكل شيء، لا بل وببيانات غاية في التطرف، سواء ديموغرافياً أو جغرافياً أو اقتصادياً، دول عدد سكانها بعشرات الملايين (مصر، الجزائر، المغرب، السودان)، مقابل دول عدد سكانها أقل من واحد مليون نسمة (جيبوتي، جزر القمر)، ودول تتجاوز مساحتها مليونا كيلومتر مربع (السعودية، السودان، الجزائر) مقابل دول مساحتها أقل من ألف كيلومتر مربع (البحرين)، واقتصاد دول يتجاوز التريليون دولار (السعودية) بينما أخرى أقل من عشرة بلايين دولار (فلسطين، الصومال)، ودخول أفراد تتجاوز 50 ألف دولار في السنة (قطر، الامارات) مقابل دول أخرى دخل الفرد السنوي لمواطنيها أقل ثلاثة آلاف دولار (السودان، اليمن، موريتانيا).
لو نظرنا إلى تجارب الاتحاد العربية الحديثة القائمة، سنجد مثالان رئيسيان، الاول يعاني من الاخفاقات المستمرة والحد من قدراته للتطور والنمو ألا وهو الاتحاد المغاربي، والذي يؤدي وجود دولتان كبيرتان متنافستان به (الجزائر والمغرب) إلى عدم تحقيق الاهداف المرجوة منه،إضافة إلى عدم الانسجام بين أعضاءه من حيث شكل أنظمة الحكم والبنية الاقتصادية لكل منها، ناهيك عن الخلافات السياسية حول قضية الصحراء الكبرى والخلافات الحدودية بينها، أما الثاني فهو مثال ناجح بكل المقاييس، إلا وهو مجلس التعاون الخليجي، الذي يعتبر تجربة ناجحة من عدة نواحي، فهو يتكون من ست دول تشترك فيما بينها بعدة عوامل، لعل أهمها تقارب إقتصادياتها ومستوى دخول أفرادها وطبيعة أنظمة الحكم فيها، والأهم من كل هذا وجود دولة قطب رئيسية بحكم المساحة وعدد السكان والقدرات الاقتصادية والعسكرية وهي السعودية، وبالتالي فإن أسباب إستمرارية وتطور مجلس التعاون الخليجي والإنتقال به مستقبلاً إلى إتحاد فدرالي أو كونفدرالي هو أمر لا يوجد أسباب موضوعية تحول دون تحقيقه.
بالنسبة للدول العربية بالعموم، فإن فراغ موقعالدولة العربية القطب، كان من أهم أسباب ما تعاني منه الدول العربية اليوم من تدخلات خارجية من أطراف إقليمية (إيران، وتركيا) ودولية متعددة، تسعى كل منها لملئ ذلك الفراغ بما يحقق مصالحها، ومصر التي كان يؤمل منها أن تكون تلك الدولة القطب، للأسف، لم تصحو بعد من كبوتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى