
الإصلاح في الدولة العربية
مدخل خاطئ مقصودٌ، ومدخل صحيح مُتَجاهَلٌ!
د.ماجد العبلي
إن عملية مراجعة متأنية للسياسات التي تتبعها بعض الدول العربية عموما، بخصوص الإصلاح الداخلي على مدى عقود مضت ولا تزال، يفضي إلى استنتاج منطقي يتمثل باتباعها مدخلا خاطئا مقصودا، وتجاهلها عمدا للمدخل الصحيح لعملية الإصلاح.
أما المدخل الخاطئ للإصلاح فهو المدخل الاقتصادي؛
وذلك لأسباب عديدة، منها:
1-كون الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن ينجح في ظل نظام سياسي غير صالح أو مشوّه أو استبدادي؛ لأن النظام السياسي هو الذي إما أن يقود الإصلاح الاقتصادي، أو يوفر البيئة الموضوعية الحرة للقطاع الخاص لتمكينه من قيادة هذا الإصلاح. وفي الحالة الأولى يجب أن يكون النظام السياسي صالحا من الفساد والتشوّه، وفي الحالة الثانية يجب أن يكون صالحا وديمقراطيا. ومن المنطق أنه في حالة فساد النظام السياسي واستبداده؛ فإنه سيكون قاصرا عن النهوض بمشروع الإصلاح الاقتصادي الوطني، لأن (فاقد الشيء لا يعطيه).
2-احتكار فئة قليلة جدا ذات اتجاه واحد (النخبة التي تدير أعمال النظام الحاكم) لعملية صنع القرار الاقتصادي (الوطني)، وتحييد وتهميش كل الفئات الأخرى، لا سيما مؤسسات المجتمع المدني ذات الصلة، التي تمتلك اتجاهات اقتصادية مختلفة وخبرات علمية متراكمة. وهذا يعني أن إدارة الاقتصاد لا تعبر عن إرادة وطنية عامة، وإنما تعبر عن إرادة النظام الحاكم الخاصة جدا، أو إرادة النخبة التي تدير مصالحه.
3-غياب استراتيجية اقتصادية وطنية شفافة ذات مصداقية عملية موضوعية، لصالح توليفة (كولّاجية) من المشاريع الجزئية الغامضة والتجميلية والتضليلية، والتي يتم إخراجها وترويجها باعتبارها استراتيجية وطنية فاعلة وكفؤة بامتياز.
لماذا يتعمد النظام الحاكم اتباع مدخل الإصلاح الاقتصادي؟
هناك جملة من الأهداف التي يريد النظام الحاكم تحقيقها من هذه السياسة، منها:
1-تشتيت رؤى قوى (المجتمع المدني)؛ للحيلولة دون تكوين رأي عام يتبنى رؤية شعبية متماسكة منافسة للرؤية الضيقة للنظام الحاكم، والتي يتم إخراجها بحرفية عالية؛ لتبدو رؤية وطنية إبداعية جديرة بالتفرد.
2-إعطاء انطباع إيجابي لدى أكثرية الشعب (الفقراء) عن أداء النظام الحاكم، كون معاناتهم الأساسية (نتيجة البرمجة اللغوية والعصبية السلبية التي خضعوا لها سلطويا على مدى عقود) متعلقة بمتطلبات المعيشة اليومية؛ ما قد يؤدي إلى كسب تأييدهم ولو جزئيا، في حين تقوم أجهزة الدعاية المتنفعة بترويج هذا التأييد وتضخيمه لدرجة (الإجماع الزائف).
3-حصول النظام الحاكم، والنخبة التي تدير أعماله، على تفويض رسمي لإعادة تصميم المشاريع الاقتصادية وقَونَنَتِها بما يناسب مصالحه الضيقة بصورة (شرعية)، وكأنها مشاريع وطنية شعبية؛ لتتمكن من تفصيل المصالح العامة على مقاساته الخاصة دون عناء.
3-كسب النظام الحاكم المزيد من الوقت (المجاني) للاسترخاء والاستمتاع والرفاهية، اعتمادا على أن نتائج الإصلاح الاقتصادي بطيئة التحقق (طويلة المدى) من جانب، وذاكرة الشعب قصيرة المدى من جانب آخر. كما أن هذا الوقت المجاني من شأنه أن يمنح النخبة التي تدير أعمال النظام ما يلي:
أ-المزيد من الحرية والشرعية في العمل دون ضغوط؛ لتعظيم العوائد للنظام.
ب- المزيد من النفوذ للتعمية على حقيقة أن هذه المشاريع ستقود للمزيد من الإفقار والتهميش لأكثرية الشعب (الفقراء)، وقلْبِ الحقائق عبر شراء خدمات أجهزة الدعاية.
وأما المدخل الصحيح للإصلاح فهو المدخل السياسي؛
وذلك لجملة من الحجج منها:
1-أن النظام السياسي هو الأساس الذي يقوم عليه مشروع التنمية والنهضة الشاملة؛ فإذا لم يكن هذا النظام صالحا؛ فإنه لن يكون حاضنة إيجابية للإصلاح.
2-أن النظام الحاكم هو الذي يوزع القيم (السلطة والثروة) بين الناس باعتباره المحتكر لصناعة وفرض التشريعات. وبما أن الإصلاح الاقتصادي خصوصا، والإصلاح الشامل عموما، لا يمكن تحقيقهما دون مراجعة وتعديل وتطوير وإصدار التشريعات اللازمة؛ فإن إصلاح النظام السياسي متطلب سابق لكل مشاريع الإصلاح الأخرى.
3-أن النظام الحاكم متنفع لدرجة تفوق التوقعات من كون النظام السياسي غير صالح، ومن المنطق أن المصلحة الخاصة للنظام الحاكم -بعيدا عن المثاليات- تدفعه لإدامة هذه الحالة، كونه يستطيع من خلال احتكاره للسلطة وتفرده بها أن يعظّم باستمرار عوائده من خلال استثمار فساد النظام السياسي.
لماذا يتجاهل النظام الحاكم مدخل الإصلاح السياسي؟
ينطوي الإصلاح السياسي على جملة من المخاطر التي يريد النظام الحاكم الحيلولة دون وقوعها لأنها تهدد مصالحه وأمنه، منها:
1-أن الإصلاح السياسي من شأنه توفير الفرصة أمام بروز الإرادة الشعبية الواسعة المخالفة للإرادة الضيقة للنظام الحاكم؛ ما قد يفرض تقسيما جديدا للسلطة والثروة؛ ما يعني تراجع حصة النظام الحاكم من السلطة والثروة.
2-أن بروز الإرادة الشعبية سيفرض مبدأ المشاركة في بناء استراتيجية اقتصادية وطنية تستهدف النهوض بالاقتصاد الوطني لتحقيق المصالح العامة، ما يعني تقلّص نصيب النظام الحاكم من الثروة.
3-أن مبدأ المشاركة يزعج النظام الحاكم، لأنه يعيق نمو مصالحه الخاصة ويقلص عوائدها ، لأن النخبة التي تدير أعماله ستصبح مجرد طرف بين العديد من الأطراف الوطنية (الأكثر كفاءة غالبا) التي تتشارَك صنع القرار الاقتصادي وإدارته.
4-أن بروز الإرادة الشعبية سيضيق على النخبة التي تدير أعمال النظام الحاكم من حيث:
أ-فرض قيود كبيرة على حريتها وشرعيتها، ما يضعها تحت المراقبة الدائمة.
ب-محاصرة نفوذها في التعمية والدعاية.
5-أن بروز الإرادة الشعبية الحرة قد يفضي إلى مبدأ تداول السلطة ديمقراطيا؛ ما قد يسلب النظام الحاكم، شيئا فشيئا، معظم سلطاته، لدرجة قد تصل إلى تغيير النظام برمته.



