
رغم توقف #حرب_الإبادة الإسرائيلية على قطاع #غزة في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فإن آثارها وتداعياتها لم تتوقف وربما يستمر بعضها سنوات.
وعندما يتم رفع #ركام آلاف #المنازل التي دمرها العدوان الإسرائيلي خلال عامين من الحرب، ينتشر في #الهواء #غبار كثيف، يلتصق بالوجه والملابس وينفذ إلى الرئتين.
لكن ما يبدو غبارا عاديا يخفي وراءه خطرا أكبر، وهو مادة #الأسبستوس، التي تحولت إلى #سم_صامت يتنفسه الأهالي في غزة يوميا.
ولم تعد القصة مجرد مشهد ركام يُرفع، بل أزمة بيئية وصحية تتعمق مع كل عملية إزالة للأنقاض، ومع كل يوم يقضيه الناس قرب بيوتهم المهدَّمة.
“الغبرة بتقع على روسنا”
في إحدى مناطق الدمار، يجلس الفلسطيني عثمان عاشور بين بقايا منزله الذي صار غبارا، محاولا فهم كيف يمكن للهواء نفسه أن يصبح عدوا.
وقال عاشور للجزيرة مباشر “كل الردم يقع على رؤوسنا. غبار الركام يسقط فوقنا طوال الوقت، يجب أن يكون هناك حل لذلك”.
ويعاني عثمان الضغط والسكر، كما يشكو من ضعف في عضلة القلب ومشكلات مع التنفس. ومع ذلك فليس لديه خيار سوى البقاء بجوار الركام.
ويضيف “لا نستطيع تحمُّل الغبار. نقوم بالكنس والتنظيف، لكن الغبار يتجدد كل يوم أكثر من اليوم السابق”.
وبصوت يختلط بالغصة، يتابع “نحن بحاجة لمكان نعيش فيه. الغبار يؤثر علينا وعلى أولادنا”.
دمار هائل في قطاع غزة بعد عامين من العدوان
“غبار مسرطن”
وأكد الخبير البيئي نزار الوحيدي للجزيرة مباشر أن ما يتنفسه الناس اليوم في قطاع غزة ليس مجرد غبار ركام، بل مادة شديدة الخطورة عرفها الفلسطينيون منذ عقود.
وأضاف موضحا “الأسبستوس مادة خطرة، كانت تُستخدم بكثرة في المخيمات الفلسطينية بعد عام 1967. ولما ثبت علميا إنها مادة مضرة ومسرطنة، خف استخدامها، لكنها ظلت موجودة في المخيمات التي بُنيت بها”.
وأشار الوحيدي إلى أن القصف الذي تعرضت له جميع المناطق في قطاع غزة حرَّر الأسبستوس من أماكنه القديمة، موضحا أنه “عندما تتعرض ألواح الأسبستوس للصواريخ أو الهدم، تتفكك إلى جزيئات دقيقة جدا، وتتحول إلى غبار ينتشر في الهواء”.
وحذر الوحيدي من خطورة هذا الغبار على المدى البعيد، قائلا “هذا الغبار مسرطن. وبمجرد دخوله الرئتين يلتصق بهما ويسبب مشاكل خطيرة، بعضها ربما لا يظهر الآن، لكنه سيظهر بعد سنوات”.
مخاطر التليف الرئوي
في عيادة مزدحمة بشمالي القطاع، يتابع الدكتور أحمد الربيعي تزايد الحالات التي تعاني مشكلات تنفسية منذ بدء عمليات رفع الركام.
وقال الربيعي للجزيرة مباشر “الأسبستوس مادة مدمرة جدا، آثارها تتراوح بين أعراض بسيطة ومتوسطة، وحتى أعراض شديدة الخطورة”.
وأوضح الربيعي الآلية التي يهاجم بها الأسبستوس الجهاز التنفسي، قائلا “عندما يتجمع غبار الأسبستوس داخل الشعب الهوائية، فإنه يسبب تهيجا مستمرا وندوبا داخل الرئة”.
وأضاف محذرا من النتائج التي قد تظهر بعد سنوات “هذه الندوب قد تؤدي إلى تليف رئوي مزمن يؤثر على حياة الإنسان، وقد تتطور، وإن كان نادرا، إلى سرطان في غلاف الرئة”.
وشدد الربيعي على أن غزة تفتقر إلى القدرة على التعامل مع هذا الكم من التلوث، سواء وقائيا أو تشخيصيا، وتابع “لا توجد إمكانيات حقيقية للفحص أو العلاج، والخطر يستمر في التوسع”.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الأسبستوس هو مجموعة ألياف معدنية تنشأ في الطبيعة وتُستخدم في مواد البناء، لكنها قد تسبب السرطان والوفيات حتى بعد سنوات من التعرض لها.
وتشير تقديرات المنظمة إلى أن أكثر من 200 ألف حالة وفاة عالميا سببها التعرض المهني للأسبستوس، بما يمثل أكثر من 70% من جميع الوفيات الناجمة عن أنواع السرطان المرتبطة بالعمل.
ويلخص عثمان المشهد في غزة بكلمات بسيطة لكنها تختصر الواقع في قطاع غزة “لم نخسر بيوتنا فقط بسبب الحرب، بل صرنا نتنفس الخراب”.




