الأردن 2026: “الأنيميا السياسية” وتحصين السيادة في وجه التجاذبات الدولية

#الأردن 2026: ” #الأنيميا_السياسية ” و #تحصين_السيادة في وجه #التجاذبات_الدولية

بقلم: #محمد_يوسف_الشديفات

لا يمكن لأي مراقب منصف أن يتجاهل الحقيقة الراسخة بأن الدبلوماسية الملكية كانت، وما زالت، هي الضمانة التي جعلت من الأردن ضرورة استراتيجية وركيزة لاستقرار الإقليم، لقد نجح جلالة الملك عبدالله الثاني، عبر جهد تراكمي مستمر، في صياغة هوية أردنية وازنة فوق طاولة القرار الدولي، مبرماً تفاهمات كبرى أمنت للمملكة شبكة أمان سياسية واقتصادية في ظل إقليم مضطرب. هذه “المظلة السيادية” التي يشيّدها الملك هي التي تحمي استقرارنا اليوم، لكنها في المقابل تكشف عن مفارقة مقلقة في الداخل؛ فبينما يثبّت جلالته أركان الدولة في الخارج، تعاني الجبهة الداخلية من حالة “أنيميا سياسية” حادة أدت إلى تآكل السردية الوطنية في الميدان لصالح “الصمت الحكومي” والارتباك التنفيذي.

إن خطورة هذا المشهد تكمن في كونه الحصاد المر لعقدٍ من الزمان اعتمد “المركزية المفرطة” كنهج إداري، تحت مبرر واهٍ وهو “سرعة الإنجاز” وتجاوز البيروقراطية. لكن الواقع في 2026 أثبت أن هذا النهج لم يورثنا إلا “شللاً في المبادرة”، حيث تحول المسؤول من “قائد ميداني” إلى “موظف رفيع” يخشى القرار ويترقب التعليمات، مما أفرغ المؤسسات من “المصدات الوطنية” الوازنة. وحين غابت السياسة، وجد المواطن نفسه وحيداً في مواجهة ظرف اقتصادي ضاغط، حيث تُدار الأزمات المعيشية بلغة “الأرقام الصماء” والحلول الجبائية الجافة، بعيداً عن أي اشتباك سياسي يراعي الأمن الاجتماعي أو يرمم الثقة المفقودة.

مقالات ذات صلة

هذا “التيه التنفيذي” لم يعد شأناً داخلياً محضاً، بل بات يستنزف من رصيد المنعة الوطنية؛ فالأردن بموقعه الجيوسياسي الفريد، يقع في قلب “تجاذبات دولية” وأجندات عالمية متقاطعة تحاول دوماً قراءة مستقبل المنطقة عبر رصد أي فراغ محلي. وحين تكتفي المؤسسة التنفيذية بالانكفاء خلف المكاتب، فهي تترك الميدان عرضة لاهتزاز الرواية الرسمية، مما قد يُغري بعض القوى الدولية والمراقبين للبحث عن قنوات بديلة وفهم نبض قرانا وعشائرنا بعيداً عن القنوات الرسمية التي باتت غائبة أو حبيسة تقارير الصالونات المغلقة.

لقد أثبتت تجربة التحديث السياسي والانتخابات الحزبية الأخيرة أن القوانين وحدها لا تحصّن الميدان، طالما أن العقلية الإدارية لا تزال تخشى “السياسة” وتفضل إنتاج نسخ حزبية باهتة لا تقوى على حمل أمانة الدولة في اللحظات الفارقة. وحين عجزت هذه الأدوات عن ملء الفراغ بالإقناع، جاء اللجوء إلى “التشريعات الزجرية” وتشديد قوانين الجرائم الإلكترونية كـ “تعويض قسري” عن فقدان الحضور الميداني، ليتحول المسؤول إلى حارس للنصوص بدلاً من أن يكون حارساً للسيادة والولاية العامة.

إن حماية الأردن في 2026 تتطلب إدراكاً بأن “الجغرافيا” التي هي مبعث قوتنا، تفرض علينا استحقاقاً سياسياً لا يحتمل الفراغ أو “الأنيميا”. إن الاستمرار في إدارة الوطن بـ “الريموت كنترول” والاعتماد على ترسانة العقوبات لإسكات التساؤلات المشروعة هو مقامرة بمستقبل الاستقرار. الأردن يحتاج اليوم لانتفاضة إدارية تستعيد “هيبة الإقناع” لا “هيبة العقاب”، وتُنهي حالة “التكنوقراط الصامت”، وتُدرك أن المنعة الحقيقية تبدأ من قوة “الظهير السياسي” الذي يجعل من أي ضغوط أو أجندات خارجية تصطدم بجدار وطني متماسك.

mohammedshudaifat@gmail.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى