الأردن وإيقاع الصدمة بعد وصول المديونية لـ25 ملياراً: وزارة النسور و«التنبيش» في دفاتر الماضي

وصول المديونية الخارجية في الأردن إلى 25 مليار دولار مع نهايات العام 2015، وفقا لتقريراللجنة المالية لمجلس الأعيان الصادر حديثا، يعني الانتقال مجددا لحالتين انفعاليتين في الأداء السياسي والنخبوي الرسمي.
في الأولى، يتصدر مجددا البحث الهوسي عن «مسؤولين سابقين» من اي طراز أو وزن لتحميلهم مسؤولية هذا الخطر الاستراتيجي.
وفي الثانية تبرز مجددا انفعالات السعي للتخلي عن المسؤولية بالتوازي مع ظاهرة التلاوم النخبوي، خصوصا أن مديونية بهذا الحجم حدث بارز وخطر على مستقبل الأردن والأردنيين حسب حتى رجال الحكم والدولة.
حكومة الرئيس عبد الله النسور تتولى المسؤولية الآن مع هذه الأرقام المقلقة جدا.
لكن الأهم ان هذه الحكومة تظهر ميلا لركوب موجة هذه الانفعالات، التي لا تعالج أزمة بقدر ما تزيد مستويات التلاوم وتعمل على تعميق أزمة القلق الرقمي من الواقع الإقتصادي.
حصل ذلك على نحو أو آخر في نقاشات النواب لمشروع الموازنة مؤخرا. فقد هاجم عضوان مقربان جدا على رئيس الحكومة ومحسوبان على دائرته الإنتخابية، هما معتز أبو رمان ونضال الحياري، بعض رموز الإدارة والحكم من فترات سابقة.
ابو رمان تعرض لوزير التخطيط والمالية الأسبق، الدكتور باسم عوض الله، فيما تكفل الحياري بالتغميز من قناة الرئيس الأسبق للوزراء، سمير الرفاعي، من دون تسميته. الفكرة التقطها مبكرا خبراء اللعبة، فالرئيس النسور يحاول عبر نائبين مقربين منه إبلاغ الرأي العام بأن حكومته ليست مسؤولة عن عمق الأزمة الإقتصادية الحالية وعن المديونية الخارجية، والفرصة أتيحت له لقول ذلك على لسان نائبين شابين بلا خبرة سياسية عميقة هاجما مسؤولين بارزين في الماضي.
النائب ابو رمان سارع لإتهام نهج التخاصية والإدارة الليبرالية للاقتصاد، والحياري تحدث عن ملفات لها علاقة بحكومة الرفاعي السابقة في محاولة لتحميل «جهات من الماضي» مسؤولية التخبط الإقتصادي.
حصل ذلك رغم ان الدكتور عوض الله رجل بعيد تماما ومنذ سنوات عن «أضواء الإعلام والمسؤولية الرسمية «، ورغم ان الرئيس الرفاعي من أكثر أعضاء نادي الرؤساء السابقين ميلا للنقاش العام ونشاطا في مجال التفاعل مع الشارع والأوساط السياسية، خصوصا وهو يعبر بخلفيته الإقتصادية وبجرأة عن تقييمات مختلفة مع أداء حكومة النسور. هجوم مواطنا النسور الحياري وابو رمان على مسؤولين محددين لم يبدو مهنيا، بل غلب عليه طابع «الشخصنة» وتصفية الحسابات، مع الإيحاء بأن الأزمة المالية موروثة ولا علاقة للحكومة الحالية بها، وهو ما لا يقبله المنطق البيروقراطي بكل الأحوال، على أساس أن «الأفراد» في الإدارة والحكم بكل الأحوال يعملون وفقا لسياسات «دولة» أصلا وضمن توجيهات وتوجهات ومع فريق وليس بصفتهم الفردية.
بكل الأحوال سبق لـ»القدس العربي» أن استمعت، مرتين على الأقل، لمنهجية تفكير النسور في مبررات وخلفيات الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة في بلاده، فقد قال بوضوح وعدة مرات إن حكومته «ورثت المسؤولية في وضع معقد للغاية».
النسور ايضا ألمح عدة مرات لأن «خزينة الدولة كانت في وضع مأساوي وشبه خاوية» عندما تقلد زمام المسؤولية، وقال إن الأوضاع صعبة ومعقدة، وظهر على شاشة التلفزيون عارضا على الأردنيين عموما خيارين أحلاهما مر .
مناورات النسور، والمحسوبين عليه في مجلس النواب على إيقاع تحميل مسؤولية الوضع الإقتصادي والصعب للماضي، تدلل على الاستعصاء والحاجة الملحة لتبرير الأخطاء الحالية وبنفس طريقة البيروقراط الأردني في التلاوم ونقل الأزمات.
هذه المناورات دفعت لاعبا غادر الأضواء تماما منذ سنوات طويلة من وزن الدكتور باسم عوض الله إلى توضيح موقفه مجددا للرأي العام بشروحات مفصلة قدمها الاثنين على صفحته على فيسبوك للتعليق على الاتهامات التي أصبحت موسمية ومكررة عمليا. شروحات عوض الله بدت «رجولية»، وهو لا يخفي قناعته بالنهج الليبرالي في الإدارة الاقتصادية على أساس انه لم يخترعه شخصيا، لا في العالم ولا حتى في الأردن، مشيرا إلى أنه لم يكن يوما رئيسا للوزراء ولا صاحبا «للولاية العامة» حتى يتحمل مسؤولية بعض القرارات والإتجاهات. عوض الله يؤشر مجددا إلى أن «التخاصية» بدأت كبرنامج للدولة الأردنية قبل دخوله شخصيا الصف الوظيفي الرسمي بسنوات طويلة، وإلى انه عندما كان وزيرا للتخطيط والمالية في فترة قصيرة حرص على تكريس ثقافة وبرامج التخفيف من المديونية.
في ظل الواقع الذي يقر بأن عوض الله كان وزيرا للمالية لمدة ثلاثة اشهر فقط عام 2005، لا يمكن ربطه بمسألة «تفاقم الدين الخارجي وعجز الميزانية».
بالمقابل عندما كان الرفاعي رئيسا للوزراء، لم تكن معدلات الدين الخارجي والمديونية بوضعها الحالي الكارثي بل اقل بكثير، في ما يرى مقربون من الأخير أن حكومته الثانية، التي استمرت لشهر ونصف الشهر فقط، لم تحظ بفرصتها لمعالجة مثل هذه الأزمات لأنها خرجت أصلا باستحقاق سياسي له علاقة بالربيع العربي وليس بأدائها ومشاريعها. عوض الله خرج بنسبة متدنية عن صمته لتوضيح الأمور بعدما هاجمه احد النواب المقربين من النسور. والرفاعي يقول، وبكل اللغات وكما فهمت «القدس العربي» منه مباشرة، إنه مستعد لأي نقاش أو مراجعة تحت لافتة افتراض حسن النية، سواء في النقد البناء والتشريح أو في التقييم لأغراض معالجة أزمة المديونية والتطلع للمستقبل.
يحصل ذلك بعدما صدمت وأقلقت أرقام المديونية الجميع في الوقت الذي لا تستطيع فيه حكومة النسور الرهان فقط على «شخصنة» اتهام هنا أو هناك، لأن «التنبيش» في دفاتر وأوراق الماضي لا يجدي ولا ينفع في معالجة المشكلات الحالية، كما قال النسور شخصيا ردا على سؤال لـ»القدس العربي» خلال لقاء مع المراسلين.
حدث ذلك أصلا قبل أن يتزايد التذمر الشعبي من وزارة النسور وتستعد حكومته لنهاية تجربتها ويبرز خطاب التنصل من المسؤولية عن النمو المقلق بالمديونية، وقبل ان تظهر بعض الأصوات المتنمرة برلمانيا، التي تتصور أن الدفاع عن النسور الذي تقلد بجرأة بدوره المسؤولية في وقت حرج بتحميل المسؤولية لآخرين.

بسام البدارين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. لا اصدق هذا الكذب و النفاق من الحكومة و النواب. منذ عام ٢٠٠٤ و تقارير البنك الدولي و صندوق النقد الدولي كانت دائماً تحذر الحكومة الاردنية من تزايد المديونية و الهدر في الانفاق العام

    الانهيار الاقتصادي قادم لا محالة

    مبروك الامن و الامان

    لنبقى نسحج لمن باع الاردن

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى