الأردن غير جاهز للحكومة البرلمانية / طاهر العدوان

الأردن غير جاهز للحكومة البرلمانية فلماذا التعديلات الدستورية ؟.
المدافعون عن التعديلات الدستورية الأخيرة يعتبرونها مقدمة للحكومة البرلمانية أي الحكومة التي تشكلها أغلبية برلمانية، ويذهبون إلى أبعد من ذلك بالقول بإن الانتخابات النيابية المقبلة ستفرز كتلًا نيابية قادرة على الانتقال بالبلاد وبالنظام الى مرحلة الحكومات النيابية التي تعتبر اخر الشوط في الإصلاحات الديموقراطية.

مثل هذا التحليل بعيد عن الواقع فالأردن سيكون بعد التعديلات وبعد قانون الانتخاب الجديد أبعد من أن يكون جاهزًا لمرحلة الحكومات النيابية وذلك لأسباب عديدة تفرضها أية دراسة مقارنة بين ما جرى في بلدنا من خطوات تحت شعار الاصلاح وبين أية حكومة نيابية في دولة ديموقراطية على اتساع القارات الخمس .

١- الحكومة النيابية تشكل في الانظمة الديموقراطية من قبل كتلة الأغلبية الفائزة في الانتخابات العامة، ولهذه الأغلبية مواصفاتها العالمية وفي الفكر السياسي المعاصر، إنها تمثل حزبًا او تيارًا يمثل مجموعة أحزاب ومستقلين خاض الانتخابات العامة ببرنامج سياسي واقتصادي واجتماعي معلن واستطاع أن يقنع أغلبية الناخبين بالتصويت له والحصول على أكثرية المقاعد في مجلس النواب . ومع وصول هذه الأغلبية تصل في نفس الوقت الى مجلس النواب ( معارضة او معارضات ) من أحزاب وتيارات اخرى برامجية.

٢- الانتخابات المقبلة لن تحمل الى مجلس النواب أغلبية وأقلية بهذه المواصفات، وهذا ليس من باب العلم بالغيب، وانما تحصيل حاصل لقانون الانتخابات الجديد وللنظام الداخلي الذي وضعه المجلس النيابي الحالي لأنهما لم يضعا من المواد التي تحدد أوصاف الكتل النيابية البرامجية مثل وضع مادة تجبر النواب على الاستقالة اذا ما أرادوا فرادى او مجتمعين الانسحاب من كتلتهم، لان الناخبين منحوهم الثقة بسبب انتمائهم لها وتمسكهم ببرنامجها حيث يتم استبدالهم بمن يليهم من قائمتهم الانتخابية. نعم القانون الحالي سيوصل كتل الى المجلس، لكنها ستكون كتل ضعيفة وطيارة ( غير جامدة وغير جدية ) يتنقل أعضاؤها من كتلة إلى اخرى حسب المنافع والمصالح الشخصية، وستكون البرامج مثل أوراق الدعاية الانتخابية، في عهدة أمانة عمان لإزالة اثارها من الشوارع. والنتيجة تكرار تجربة (4 في ٤ ) مع حكومة النسور والمجلس النيابي الحالي أي تشكيل أغلبية عند الطلب لدعم استمرار حكومة لا تنتمي لأغلبية ولا لأقلية إنما انتماؤها لحالة سياسية تقدم الإصلاح السياسي بصورة مشوهة جوهرها خداع النفس وتضليل الوعي العام .

مقالات ذات صلة

٣- والوصول الى حكومة نيابية يتطلب وجود أحزاب قوية تمثل مختلف التيارات والاتجاهات في المجتمع والواقع أن الحالة الحزبية في البلاد هي في اضعف مستوياتها. لم يعد هناك وجود لليمين الذي يمثله الاخوان، وما تبقى من نفوذ الجماعة في حزب العمل الاسلامي يحاصره الخوف والقلق وغياب البوصلة، اما اليسار والقوميين، فهم متجمدين عند ضعفهم ومحدودية انتشارهم ، وأظهر دعمهم للانظمة الديكتاتورية في العالم العربي ولمذابحها الجماعية ضد شعوبها بعد ان سرى بين صفوفهم ( الاسلام فوبيا ) بانهم ، مثلهم مثل الإخوان، بحاجة الى مراجعة لفكرهم ومعتقداتهم التي تجمدت عند الحرب الباردة ، وإن مسألة تأهيلهم للحكومة البرلمانية يحتاج إلى تعديل قانون الانتخاب بحيث يقصي عن المشاركة السياسية الأحزاب التي تتبني الفكر الشمولي والحزب الواحد وتدعم الديكتاتورية تحت أي شعار .

وبقيت أحزاب الوسط المفترض انها تمثل جوهر النظام الملكي فقد تردت احوالها على مدى السنوات الماضية لأن قانون الصوت الواحد فتت قاعدتهاالشعبية والعشائرية وأضعف قدرتها على أن تحمل برنامج الأغلبية الصامتة .

٤- الحكومة البرلمانية تعني في النظام النيابي الديموقراطي إنها صاحبة الولاية العامة على كل شأن من شؤون الدولة الخارجية والداخلية وهذا لم يعد متاحًا لأي حكومة تشكلها كتلة الأغلبية في مجلس النواب بتوزير النواب أو اختيار وزرائها من غير النواب وفق برنامجها الذي خاضت عليه الانتخابات وحيث منحتها الأغلبية الشعبية تفويضا بتنفيذ برنامجها السياسي والاقتصادي . لم يعد متاحًا رؤية مثل هذه الحكومة لأن التعديل الدستوري الجديد والذي سبقه، يجرد الحكومة من السلطة على قسم كبير من الشؤون الرئيسية التي تدخل في صلب ولايتها العامة. وهو ما يترتب عليه إعفاؤها من المسؤولية عن أعمال السلطات التي خرجت عن ولايتها ، إضافة إلى أن الأقلية البرلمانية ( المعارضة ) ستجد ان حقها في الرقابة والمساءلة على أجهزة حكومة الأغلبية وتصرفاتها اصبح معطلًا عمليًا (عندما يتعلق الأمر بحادث تفريق مظاهرة على سبيل المثال ) .

البلاد مقبلة على انتخابات تأتي بحكومة ٤ في ٤ ، غير برلمانية بالمواصفات المعروفة في المناهج الديموقراطية، حكومة لم تشكلها أغلبية حزبية او تيارية برامجية وبالتالي الشعب لم ينتخبها. ومن يوفر لها الغطاء والاستمرارية مجلس نيابي تتشكل فيه الأغلبية حسب الطلب ، وتكون العلاقة بين الحكومة والمجلس وفق نهج ( حكلي تحكلك ) وهي علاقة جوهرها ( اقتناص الفرص ) وليس التوافق كما بينت قصة التعيينات الاخيرة .

وأخيرًا إذا كان الأردن غير جاهز للحكومة البرلمانية بالمواصفات التي تكسبها هذه الصفة فالسؤال الذي يبحث عن إجابة لماذا الآن التعديلات الدستورية ؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى