جلالةَ الملك: كلهم خوارج / د.محمد خازر المجالي

جلالةَ الملك: كلهم خوارج

ابتداء، رحم الله شهداءنا، فقد قدموا أرواحهم رخيصة من أجلنا جميعا، قمة التضحية أن تجود بأغلى شيء تملكه، نفسك. وفي المقابل فإن هذه النفس يضحي آخرون من أجلها ولو بالوطن كله، فشتان شتان بين من باع نفسه لله، ومن باع الوطن والقيم والبشر ليشتري دنياه الزائلة بخسة ونذالة ولصوصية…
لقد وعدت جلالتك “بمحاسبة كل من سولت له نفسه المساس بأمن الأردن وسلامة مواطنيه”، وقلت: “سنقاتل الخوارج ونضربهم بلا رحمة وبكل قوة وحزم”، ونحن معك ومع الوطن ومع هؤلاء الأشاوس، لن نتخلف لحظة ولن نبخل بقطرة دم من أجل الله والوطن واستقراره وقوته وتقدمه، ولكن يا جلالة الملك فالخوارج أنواع كثيرة..
هو مصطلح ديني بلا شك، أُطلق على الذين خرجوا على إمام المسلمين عليّ رضي الله عنه، وكفروه وكفّروا معظم المسلمين رغم أنهم عبّاد قُرّاء، لكنهم ضلوا الطريق وقتلوا المسلمين فقاتلهم عليّ رضي الله عنه.
ومثلهم بل أقل درجة البغاة، الذين لم يكفروا المسلمين، ولكنهم يخرجون على الإمام ولهم اجتهادهم الخاطئ، فالمطلوب: “فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله”.
والمرتدون زمن أبي بكر رضي الله عنه خرجوا من الدين ورفضوا أداء الزكاة، وحينها قال أبو بكر قولته المشهورة: “أينقص الدين وأنا حي!؟ والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه”، فكان قتال المرتدين..

واليوم نجد يا جلالة الملك أنواعا أخرى من الخوارج، قياسا على التكفيريين والمرتدين والبغاة:

منهم هؤلاء الذين خرجوا على دين الأمة وتمردوا عليه واستهزؤوا به وبثوابته وقواعده وأتباعه… أسماؤهم برّاقة متنوعة، وأساليبهم ناعمة خادعة، لا يقلون مكرا وخبثا عن خوارج الماضي ولا الحاضر، فلئن خرج المتطرفون تشددا، فقد خرج هؤلاء تساهلا وهروبا وربما ارتدادا..
ومنهم الذين خرجوا على قيم المجتمع وأخلاقه واستحلوا حرامه، واستباحوا أموال الوطن ومؤسساته وخيراته، فباعوها بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيها من الزاهدين، لأن قيم الوطن عندهم المصلحة لا الولاء والانتماء المعززان بتقوى الله،…
ومنهم الفاسدون الذين أكلوا الأخضر واليابس ومكّنوا لأنفسهم بل شرّعوا لأنفسهم، ليغدو الفساد ثقافة اعتيادية، وأمثلتهم أكثر من أن تحصى، ولكنهم بفعلتهم هم والنوع السابق قتلوا الأمل في نفوس الناس، وافتقر الوطن بسببهم، وازداد الفقر وحل اليأس والبؤس والقهر، وهي جرائم لا تقل عن القتل المباشر للنفس.
هل بقي شيء لم يلمسه الفساد يا جلالة الملك، حتى التعليم خضع لفساد الشره والمحسوبية والمزاجية، بل وصل إلى الطب حيث المهنة الإنسانية، وتعمّق في غش الطعام والشراب، وتم شراء ذمم كثيرة لممثلي الوطن وكثير من مسؤوليه، ليرتعوا في هذه الدنيا على حساب الغالبية الصامتة الصادقة الوادعة، ومنهم هؤلاء العسكر الذين يضحون من أجل راحة الجميع، بما فيهم الفاسدون والخوارج بأنواعهم..
نريد عقدا اجتماعيا صحيحا وليس من وضع أشخاص مشبوهين يعملون بأجندات خارجية لتطويع الأردن وكسر إرادته، فهاشمية الدولة الأردنية تقتضي بالضرورة مرجعيتها الدينية، فعقدنا الاجتماعي مرتكز على الدين بمصدريْه: القرآن والسنّة، والدستور الأردني الراقي.
احسمها يا جلالة الملك كما وعدت بمقاتلة الخوارج وضربهم بلا رحمة وبكل قوة وحزم، ولكن كلهم لا بعضهم، وصدقني بأن الطوائف الأخرى أشد فتكا وخطرا من هؤلاء، وكلهم خوارج وأعداء… ليسير الوطن باتجاه بر الأمان، بل ليرتقي ويتقدم نحو سعادة إنسانه وقوة أركانه وأمل مستقبل أجياله. ولنفوّت على أعدائنا داخليا وخارجيا الفرصة التي يتمنون، من أجل تقويض الأردن وتركيعه، خابوا وخسروا، فالمؤامرة الدولية الصهيونية العربية مكشوفة، ولا بد هي متحطمة على صخرة الوعي والصمود والتضحية.. وصدق من قال:
‏اذا عَطِشتَ وكـان المـَاءُ مُمتَنِعاً
فَلتشربي مِن دِماءِ الزّندِ يا بَلدي
واذا سَقطت على دَربِ الفِدى قِطَعاً
أُوصيكَ أُوصيكَ بالأردنِّ يا وَلدي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى