
احذروا من الفخ الإسرائيلي
الشعب الفلسطيني اليوم مدعو أكثر من أي وقت مضى للسيطرة على مجريات الأمور، وعدم الإنجرار وراء الدعوات التي توجه إليه من أطراف متعددة للجوء إلى الكفاح المسلح مع العدو الصهيوني، فالشعب الفلسطيني المحاصر، لا يمتلك في الوقت الحالي أية مقومات كافية لمثل هذا النوع من الصراع المسلح ضد آلة اسرائيل الحربية، تلك الآلة التي أعجزت وتعجز دول كبيرة عن مقارعتها، إن الذين يدعون الفلسطينيين اليوم إلى الكفاح المسلح هم أحد طرفين، إما بحسن نية ممن لا يرون الصورة الواسعة لما يجري في المنطقة، أو بسوء نية وهم الخبثاء الذين يدركون إلى أين ستتجه الأمور بشكل متصاعد.
إن ما قام ويقوم به بعض اليهود مدعومين بقوات الأمن الاسرائيلية في الفترة القصيرة السابقة، من اقتحامات للمسجد الأقصى المبارك هو أمر وراءه مخطط كبير ، وهو أمر مقصود بذكاء لإثارة غضب وردة فعل فلسطينية كبيرة، وهو بحق، يستحق ردة فعل فلسطينية وعربية وإسلامية كبيرة جداً، ولكن دون أن تصل بالفلسطينيين إلى درجة حمل السلاح في الضفة الغربية ضد قوات الاحتلال الصهيوني، لماذا؟ لأنه عند مقارنة الظروف الإقليمية والدولية الحالية، بالظروف الإقليمية والدولية في الإنتفاضتان السابقتان، فإنها كلها تصب في مصلحة إسرائيل وضد مصلحة الشعب الفلسطيني، في الإنتفاضتان السابقتان تحركت المجتمعات العربية والدولية بمسيرات شاجبة لكسر جنود إسرائيليين بالحجارة لذراع طفل فلسطيني، في الانتفاضتان السابقتان قامت المظاهرات في شتى عواصم العالم تأثراً وشجباً وتنديداً بقتل الطفل محمد الدرة برصاص قوات الاحتلال الاسرائيلي، أما اليوم، وفي وسط هذا المحيط الاقليمي والدولي الذي اعتاد أن يرى صباح مساء، المدن في سوريا والعراق وليبيا وهي تقصف بالصواريخ والقذائف، وأصبحت رؤية الطائرات وهي تلقي البراميل المتفجرة فوق أحياء المدن السورية هو خبر (عادي)، وحتى مشاهدة المجازر التي ترتكب ومقاطع الأفلام لقطع رؤوس المئات والآلاف وإحراق الناس وهم أحياء هي أمور (روتينية)، وكذلك مشاهد تهجير أكثر من أربعة ملايين سوري ومثلهم من العراقيين هي أشبه بفاصل دعائي نتابعه على شاشات التلفزيون، وسط كل هذا الموت والدمار والدماء، من الذي سيلتفت إلى مقتل بضع عشرات أو مئات من الفلسطينيين ؟ إن الدمار الذي يلف المنطقة كلها هو الخلفية المناسبة والفرصة السانحة (التاريخية)، التي توفر للإسرائيليين المشهد لتنفيذ حلمهم بتفريغ الضفة الغربية من سكانها، وتحقيق الأغلبية اليهودية على أرض فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر ، كما أن المحيط الإقليمي والدولي الذي إستمرأ مشاهد الموت والدمار، لا يضيره أن يضاف إلى تلك المشاهد صور جديدة لطائرات إسرائيلية تقصف مدن الضفة الغربية بأطنان من القنابل، ولن يؤثر فيه رؤية مشاهد لجثث المئات ولا الآلاف من الفلسطينيين، وهو بالتأكيد لن يتأثر بإضافة 3 ملايين فلسطيني جديد إلى قائمة المهجرين من أوطانهم، وبالتالي فإن ربط الحلقات ببعضها سيعطينا رؤية واضحة لمخطط، قد يكون هو الهدف الذي تسعى إليه إسرائيل من خلال تصعيدها ويتلخص بالتسلسل التالي:
1. اقتحامات للمسجد الأقصى
2. ردة فعل فلسطينية
3. تنكيل اسرائيلي وعمليات قتل محدودة
4. رد فلسطيني باستخدام السلاح الأبيض(السكاكين) لقتل اليهود
5. مزيد من الضغط الاسرائيلي
6. دعوات للكفاح المسلح من جانب الفلسطينيين
7. المزيد من الضغط الاسرائيلي
8. هجمات مسلحة فلسطينية
9. المزيد من الضغط الاسرائيلي
10. عملية مسلحة فلسطينية توقع عشرات القتلى من اليهود
11. الاعلام الدولي المؤيد لاسرائيل يحرض ضد الفلسطينيين ويربط بينهم وبين داعش
12. اسرائيل تطلق يد قواتها لتدمير الضفة الغربية والغطاء الاعلامي والسياسي هو التصدي لقوات داعش
شيء واحد يمكنه أن يوقف هذا السلسلة وأن يكسرها وأن يحرم الاسرائيليين من الفرصة لتنفيذ مخططهم، ألا وهو الحفاظ على سقف ردود أفعال فلسطينية لا يصل إلى درجة ما يطالب به البعض من الفلسطينيون بحمل السلاح، إن حمل السلاح قد يكون بمثابة انتحار تم توجيه الشعب الفلسطيني إليه مباشرة، فأين هو السلاح ؟ وما قيمته العسكرية ؟ وما مصدره ؟ إن حمل السلاح مهما كان هزيلاً، والذي لا يقارن بما لدى العدو ، سيتم تضخيمه إعلامياً وسياسياً لتبرير إستخدام أقصى كم من القوة النارية من العدو، لإحداث أكبر تدمير للشعب الفلسطيني، وهذا سيصب في مصلحة إفراغ الضفة من سكانها العرب، وهو ما حذر الأردن منه مراراً وتكراراً، أما الطريقة المناسبة لمواجهة الاعتداءات الاسرائيلية وإنهاك العدو عسكرياً واقتصادياً وتشويه صورته اعلامياً وسياسياً، وفي نفس الوقت لا توفر له الغطاء الكافي للقيام بعمليات عسكرية كبيرة ضد الفلسطينيين، فتتمثل في المواجهات الشعبية مثل: قطع الطرقات، رجم الحجارة، احراق الاطارات، المظاهرات الحاشدة، تخريب الممتلكات الاسرائيلية في الضفة الغربية، استخدام السلاح الأبيض (الطعن بالسكاكين)، كل هذا إذا تم بتخطيط تكتيكي سليم بحيث تشمل كل الضفة الغربية والقدس على مدار الأيام وساعات الليل والنهار ، وبالرغم من توقع سقوط عشرات أو مئات الشهداء، إلا أنه كفيل بتبديد جهود الجيش الاسرائيلي وتشتيت تركيزه، وإذا استمرت هذه المواجهات الشعبية لفترة كافية، فإنها كفيلة بتحطيم جنوده وهزيمتهم نفسياً، كما حصل في الانتفاضتان السابقتان، لذلك كله على الإخوة الفلسطنيون الوعي والحذر مما يحاك ضدهم، والله ولي التوفيق.
