
#سواليف
سلطت مجلة “إيكونوميست” الضوء على تداعيات الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، مؤكدة أن الحرب غيّرت وجه الشرق الأوسط إلى الأسوأ، ووقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه مؤخرا ترك المنطقة أقل أمانا مما كانت عليه قبل الحرب.
وأوضحت المجلة أن وقف إطلاق النار كان مرتبكا لحرب مرتبكة، مشيرة إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدد بتكثيف القصف الأمريكي لدرجة تدمير الحضارة الإيرانية بأكملها، ثم قبل أقل من ساعتين من الموعد المقرر لبدء الهجوم، أعلن أن أمريكا وإسرائيل وإيران ستعلق الأعمال العدائية لمدة أسبوعين، مقابل سماح طهران باستئناف الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز.
ولفتت المجلة إلى إعلان رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، الذي ساهم في الوساطة من أجل وقف إطلاق النار، عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن وقف إطلاق النار “ساري المفعول فورا”.
ومع ذلك، أبلغت كل من إسرائيل والكويت وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة عن هجمات لاحقة بطائرات مسيرة وصواريخ إيرانية، على الرغم من الهدنة. نددت إيران بغارة جوية على مصفاة نفط. وكثفت إسرائيل قصفها على لبنان، الذي قالت إنه لم يكن مشمولا بوقف إطلاق النار. أصرت إيران (وشريف) على أنه كان مشمولا.
تلقت السفن في الخليج إنذارا من القوات الإيرانية، يفيد بأن أي سفينة تحاول عبور المضيق دون إذن إيراني ستُدمر. وقدّمت أمريكا وإيران روايات متباينة تماما حول آلية المفاوضات لإنهاء الحرب بشكل دائم، والمنعقدة في باكستان. وصف بيت هيغسيث، وزير الحرب الأمريكي، النتيجة بأنها “نصر تاريخي ساحق”. وادّعت إيران الشيء نفسه.
ووفق المجلة، من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان وقف إطلاق النار سيُطبّق بشكل فعّال، فضلا عن معرفة ما إذا كانت المحادثات في باكستان ستنجح. وهذا ما يجعل من الصعب تحديد مصير الحرب بالنسبة للطرفين. إذا أسفرت المفاوضات عن اتفاق، ووافقت إيران على التوقف عن تهديد جيرانها مقابل تخفيف العقوبات الأمريكية، فمن المرجح أن يستفيد الطرفان. أما إذا فشلت المحادثات واستؤنفت الحرب، فسيكون وضع الطرفين أسوأ.
وأكدت المجلة أنه في الوقت الراهن على الأقل، يصعب تحديد أي فائز. لقد كان الاضطراب الذي لحق بالاقتصاد العالمي هائلا، وسيستمر لبعض الوقت. لم تقتصر الأضرار التي لحقت بإيران على المنشآت العسكرية فحسب، بل امتدت لتشمل البنية التحتية المدنية والتجارية. وشهدت دول الخليج خسائر في الإيرادات، وتضررت منشآت الطاقة، وتضررت سمعتها في مجال الأمن والاستقرار. كما تراجعت شعبية إسرائيل في أمريكا وخارجها. واستنزفت أمريكا مخزونها من الذخائر وأرهقت قواتها المسلحة.
في غضون ذلك، يبدو أن أيا من الأهداف التي حددها الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للحرب لم تتحقق. فلا تزال الجمهورية الإسلامية قائمة، وتحتفظ بمخزون من اليورانيوم المخصب، ولا تزال قادرة على إطلاق مسيرات وصواريخ في أنحاء المنطقة. والأسوأ من ذلك كله، أنها أظهرت للمرة الأولى قوة سلاح طال انتظاره، ألا وهو قدرتها على إغلاق المضيق، وهو سلاح لا تملك أمريكا أي وسيلة لمواجهته. وستدفع المنطقة والعالم ثمن هذا الصراع لسنوات قادمة.
أيد الإسرائيليون الحرب بأغلبية ساحقة عند اندلاعها، إذ اعتبروا إيران تهديدا وجوديا. أما الآن، فيتساءل الكثيرون عما إذا كانت تستحق كل هذا العناء. ويبدو أن تقييم إسرائيل في بداية الحرب بأنها “حيّدت” أكثر من ثلاثة أرباع منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية مبالغ فيه. فالنصف تقدير أكثر منطقية، بل إن هذا يشمل أجهزة يمكن إعادة تشغيلها بسهولة نسبية.
من وجهة نظر نتنياهو، مثّلت الحرب انتصارا استراتيجيا في جانب بالغ الأهمية: فقد تعاونت إسرائيل وأمريكا على نحو غير مسبوق. إلا أن الطريقة التي تمّ بها التوصل إلى وقف إطلاق النار، بوساطة باكستان بين أمريكا وإيران، مع استبعاد إسرائيل، أوضحت طبيعة العلاقة: علاقة قوة عظمى بدولة تابعة. وقد يتعزز هذا الأمر في الأسابيع المقبلة. لن تكون إسرائيل طرفا في المفاوضات التي تسعى أمريكا وإيران من خلالها إلى التوصل إلى اتفاق دائم. سيصبح أمن إسرائيل المستقبلي رهنا بأهواء ترامب.
والأسوأ بالنسبة لنتنياهو، أنه قد يتحوّل من شريك إلى كبش فداء. فقد ساهم في إقناع ترامب بشنّ الحرب. فقد أفادت صحيفة نيويورك تايمز أن العديد من كبار المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم نائب الرئيس ووزير الخارجية ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، قد أعربوا عن تحفظاتهم بشأن خطط نتنياهو قبل بدء الحرب. قد تُشير هذه التسريبات، مع اقتراب نهاية الحرب، إلى رغبة العديد من أعضاء إدارة ترامب في النأي بأنفسهم عن زعيم إسرائيل. فهم يدركون تماما أن إسرائيل باتت تحظى بشعبية متدنية للغاية بين الناخبين الأمريكيين.
في بيان مقتضب صدر فجرا، قال نتنياهو إن إسرائيل “تؤيد قرار الرئيس ترامب بتعليق الضربات الجوية على إيران لمدة أسبوعين”. وأكد أن هذا القرار، بالنسبة لإسرائيل، ليس سوى هدنة مؤقتة في الأعمال العدائية. كما أكد أن وقف إطلاق النار لا يشمل لبنان. وبدلا من استهداف إيران، شنّ سلاح الجو الإسرائيلي هجمات على نحو 100 هدف في لبنان بعد ظهر اليوم التالي لوقف إطلاق النار. وسقط أكثر من ألف قتيل وجريح، واكتظت المستشفيات بالمرضى ونفدت فيها كميات كبيرة من الدم.
وقد حذرت إيران من أنها ستستأنف هجماتها على إسرائيل إذا استمرت إسرائيل في قصف حزب الله. وقد يضطر الرئيس ترامب إلى اتخاذ قرار بشأن هذا الأمر قريبا. فإذا أجبر إسرائيل على تعليق حملتها في لبنان، فقد يُنذر ذلك ببداية انقسام.
ويرغب نتنياهو بشدة في أن يكون سببا في إفشال وقف إطلاق النار، ولكنه قبل كل شيء حريص على تجنب أي خلاف علني مع الرئيس، الذي تحدث عن زيارته لإسرائيل بعد أسبوعين كضيف شرف في يوم استقلالها. ومن المقرر إجراء انتخابات خلال الأشهر الستة المقبلة، وتُعد صداقة رئيس الوزراء مع الرئيس رصيدا انتخابيا هاما في إسرائيل، إحدى الدول القليلة التي يحظى فيها ترامب بشعبية.
للفوز بالانتخابات، المتوقع إجراؤها في أكتوبر، سيسعى نتنياهو لإقناع الإسرائيليين بأنه وترامب ما زالا شريكين، وأن إسرائيل انتصرت في حربيها في إيران ولبنان. مع ذلك، يبدو ترامب مصمما على إنهاء الحرب، رغم بقاء النظام الإيراني في السلطة وقدرته على ضرب إسرائيل بالصواريخ والمسيّرات. بل قد يحتفظ النظام الإيراني بمواده النووية، رغم إصرار المسؤولين الأمريكيين على عكس ذلك. فحتى سياسي بارع كنتنياهو سيجد صعوبة في تحويل هذا إلى نصر.
يحاول حكام إيران أيضا تصوير الحرب على أنها نصر. ويبدو أنها قد عززت قبضتهم. توحدت الفصائل. وبقي الجنود والموظفون المدنيون في مواقعهم، متجاهلين دعوات الانشقاق. أزالت فرق الإنقاذ الأنقاض. انخفضت حالات انقطاع التيار الكهربائي والمياه عن المعتاد. ورغم الضربات على البنوك، تم صرف الرواتب.
انتقل محور الغضب الشعبي من مجازر النظام ضد المتظاهرين في كانون الثاني/ يناير إلى تجاوزات أمريكا وإسرائيل. تضاءل الحماس الأولي للتدخل الأجنبي مع تضاؤل الآمال بانهيار الجمهورية الإسلامية، ومع اتساع نطاق القصف من الأهداف العسكرية إلى مصانع الصلب ومصافي النفط والجسور. فقد العديد من الملكيين الأمل في عودة رضا بهلوي، نجل الشاه الأخير، وانصرفوا عن قناة إيران الدولية، وهي قناة المعارضة التي دافعت عن الضربات الأمريكية والإسرائيلية كوسيلة لإعادة النظام. يقول أحد المؤيدين الإيرانيين السابقين للتدخل: “أدركنا أن إسرائيل لم تكن في صفنا”.
ومع ذلك، يُنذر وقف إطلاق النار بإحياء الانقسامات القديمة. فقد هاجم المتشددون البراغماتيين بقيادة محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وزملائه من المحاربين القدامى، بسبب تفاوضهم. وصرخت صحيفة “كيهان”، الناطقة باسم المتشددين بعد ساعات من إعلان الهدنة: “بدلا من وقف إطلاق النار، فلنخنق هذا الكلب المسعور”.
كما أن هناك خلاف على تولي مجتبى ابن المرشد الأعلى الذي قُتل في غارة جوية إسرائيلية في اليوم الأول من الحرب، السلطة خلفا لوالده آية الله علي خامنئي.
وأدت الضربات على البنية التحتية إلى مزيد من إضعاف الاقتصاد الهش أصلا. وكان وضعه المتردي أحد أسباب الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت في كانون الأول/ ديسمبر. يعاني الكثير من الإيرانيين من نقص الغذاء، ويأمل آخرون في الهجرة.
قد يؤدي تدمير الجسور والطرق والسكك الحديدية وشبكات الاتصالات والمطارات، ونصف أسطول الطائرات المدنية، وفقا لأحد الصناعيين، إلى إضعاف قبضة الحكومة المركزية على المحافظات. وينطبق الأمر نفسه على تدمير قواعد الأجهزة الأمنية في أنحاء البلاد. قد يتسبب بتململ الأكراد والأقليات الأخرى.
ومع ذلك، ظهرت أيضا مؤشرات مغرية على أن النظام أصبح أقل تشددا. وأبرزها تبنيه لوقف إطلاق النار، وإن كان تطبيقه ضعيفا. علاوة على ذلك، أفرجت السلطات في يومها الأول عن سجينة سياسية، مريم أكبري منفرد، بعد 17 عاما في السجن. وقد بثّ التلفزيون الرسمي، في خطوة غير معتادة، مقابلات مع نساء غير محجبات.
يبدو أن قاليباف وحاشية من جنرالات الحرس الثوري البراغماتيين يشغلون أعلى المناصب في الحكومة. وبالتالي، قد تجد قيادة أقل تمسكا بخطابات خامنئي المناهضة للاستعمار، سهولة أكبر في إصلاح العلاقات مع الغرب. ولا تزال الدول الغربية الوجهات المفضلة للدراسة والسفر لأبناء قاليباف وغيره من كبار الشخصيات. ويُقال إن مجتبى خامنئي نفسه يمتلك عقارات فاخرة في لندن.
من غير المرجح أن تُقدم القيادة الجديدة على إطلاق سراح جماعي للسجناء السياسيين، كما تطالب المعارضة، ناهيك عن إلغاء الأسس الدينية للجمهورية الإسلامية. لكنها قد ترى قيمة استراتيجية ومالية في الاعتراف بها كحارس، وربما حتى كجهة تحصيل رسوم، على مضيق هرمز.
بحسب شركة كلاركسونز، وهي شركة وساطة بحرية، ينتظر معظم مالكي السفن لمعرفة ما سيحدث. وتعتقد الشركة أن “مستويات العبور لا تزال من غير المرجح أن تعود إلى مستويات ما قبل النزاع في المدى القريب”.
وتُشكل مدة وقف إطلاق النار التي تبلغ أسبوعين (إن استمرت حتى هذه المدة) مشكلة أخرى. فلن يُسارع مالكو السفن إلى إرسال سفنهم إلى الخليج، حتى لو بدا ذلك آمنا، خشية وجود خطر اندلاع القتال مجددا، ما قد يُحاصرهم على الجانب الخطأ من المضيق.
بالنسبة للدول النفطية في الخليج، يُعدّ المضيق إما صلتها البحرية الرئيسية بالأسواق العالمية، أو صلتها الوحيدة: فهي تُصدّر المحروقات وغيرها من السلع، وتستورد كل شيء من الحبوب إلى السيارات. إن قدرة إيران على إغلاق المضيق تُشكّل تهديدا وجوديا؛ ورغبتها الواضحة في فرض رسوم على السفن التي تعبر مضيق هرمز تُشير إلى الابتزاز.
قد لا تتمكن إيران من تطبيق مثل هذه الخطة في وقت السلم، خاصة إذا لم تتعاون عُمان، الواقعة على الجانب الآخر من المضيق. وقد تمكنت سفينتان من مغادرة الخليج في الأيام الأخيرة أثناء إبحارهما بالقرب من سواحل عُمان. ومع ذلك، يُفكّر المسؤولون في جميع أنحاء الخليج، بطبيعة الحال، في بدائل على المدى الطويل للمضيق.
تمكنت السعودية والإمارات من الحفاظ على جزء من صادراتهما النفطية رغم إغلاق المضيق، وذلك باستخدام خطوط أنابيب تربط السعودية بميناء بينبع على البحر الأحمر، والإمارات بالفجيرة، ميناء خليج عُمان. في المقابل، لا تملك البحرين والعراق والكويت وقطر بدائل للمضيق.
وقد وافقت الحكومة العراقية وقادة إقليم كردستان العراق، على عجل، على إعادة فتح خط أنابيب كركوك-جيهان، الذي تبلغ طاقته الاستيعابية 250 ألف برميل يوميا، وهو جزء ضئيل من صادرات البلاد قبل الحرب التي كانت تبلغ حوالي 3.3 مليون برميل يوميا. كما ينقل العراق بعض النفط برا عبر سوريا، وهي طريقة مكلفة وغير فعالة.
أما نقطة الضعف الثانية التي كشفت عنها الحرب وتُثير قلق دول الخليج بشدة: اعتمادها على أمريكا التي باتت أقل موثوقية. فعلى مدى عقود، كان وجود القوات الأمريكية في شبه الجزيرة العربية يهدف إلى ردع أي عدوان. لكن حرب ترامب قلبت هذا المنطق رأسا على عقب. بدلا من صدّ الهجمات، استقطبت القوات الأمريكية تلك الهجمات.
لديهم خيارات أخرى، بالطبع. ستُعمّق قطر علاقاتها مع تركيا، التي نشرت قوات في الإمارة منذ عام 2017. وستُعزّز السعودية اتفاقية الدفاع التي وقّعتها مع باكستان في أيلول/ سبتمبر. سارعت كوريا الجنوبية بتزويد الإمارات العربية المتحدة بنظام دفاع جوي خلال الحرب، وقد تعززت العلاقات بين البلدين بشكل ملحوظ. ومع ذلك، فرغم قدرة هذه القوى المتوسطة على مساعدتهما في تنويع علاقاتهما، إلا أنها لا تُغني عن قوة عظمى.
كما أن الدول العربية اعتقدت أنها تستطيع النأي بنفسها عن التنافس بين أمريكا ومنافسيها من القوى العظمى. وعندما غزت روسيا أوكرانيا، سعى الشرق الأوسط إلى التزام الحياد. لكن بوتين لم يرد الجميل. فقد أفادت التقارير أن روسيا زودت إيران بصور الأقمار الصناعية لمساعدتها في ضرب أهداف في الدول العربية. وفي الوقت نفسه، سارع فولوديمير زيلينسكي إلى الخليج لعرض المساعدة في إسقاط المسيرات.
كما يسود الإحباط في الخليج تجاه الصين. فقد ساهمت في دفع إيران نحو قبول وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب. لكن الصين، التي تستورد معظم نفطها من الشرق الأوسط، انضمت إلى روسيا في استخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن الدولي، الذي قدمته البحرين، والذي كان يُجيز مهمة عسكرية في مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه، لم تكن روسيا والصين حليفتين قويتين لإيران.




