
عبد الرؤوف
قرأت قبل فترة على احد المواقع الالكترونيه، ان عبد الرؤوف توفي، عرفت عبد الرؤوف في المقهى عن طريق صديق مشترك، كان فتيا، مولع بالارجيله، وهي رياضه جديدة بدء الجميع تقريبا بممارستها في منطقتنا، بدى هذا الشاب ساخطا على فساد الدولة واتساع الفوارق بين ابنائها، معتبرا ان هذا الدوله لم يبق منها غير مؤسساتها الامنية الموروثه، اما الخدمية، فللجماعه اياهم بس، طبعا عبد الرؤوف لم يمت نتيجه عارض صحي لم يمهله، بل توفي في سورية بعد ان التحق بتنظيم داعش.
عبد الرؤوف لم يرجع الى نشرات البنك الدولي او الى تقارير منظمة الشفافية الدولية ومدركات الفساد، او لتقارير هيومن رايتس ووتش ليعرف ان هناك انعدام للعدالة واثراء لمجموعه من الناس على حساب الاخرين، بل عاين ذلك مباشرة، كان عبد الرؤوف موظفا يعمل في متجر فخم يبيع الالعاب في عمان الغربية، وكان يحدثنا دائما، “اجا فلان واشترى لابنه لعبة بهالقد”، “اللالعاب عنا ثلاث ترباع بلدك ما بتقدر تشتريها”، كان يسمع ويرى، ربما لم يعرف ما عرفه غيره من كوارث وطنه وافاته، وربما ولم يرى السوس الناخر في جسده بصورة اقرب، الا ان ما رآه كان كفيلا باقناعه.
عبد الرؤوف كان يعتبر ان مؤسسات الدولة اقرب للاشباح تظهر ثم تختفي، يمكنك رؤية معالمها، لكنها ليست هناك فعلا، اعتبر ان حكومته افرغت من مضمونها، لا تعبر عنه، بل رهينه بايدي طبقه يعاد تكريرها مع كل تشكيل وزاري، وتسند اليها ادارة تفاصيل حياته اليومية، التي لا يعرفها غيره، وامثاله الذين يعيشونها، من يتحكم بتفاصيل حياة هبد الرؤوف هم نفسهم زبائنه في محل الالعاب.
التقيته مرة بالصدفه في حافلة للنقل العام، بدئنا بالحديث، طبعا عن داعش، وعبر عن غضبه من تسميتي لهم بداعش، قال، اسمها الدوله الاسلامية، قلتله بالنسبة الك، غيرنا الموضوع لكي لا يحتدم النقاش، فاحيانا كسب القلوب خير من كسب المواقف، صمت، وقال لي، شايف، لو في دوله محترمه كان في هيك مواصلات, لو تحكمنا مؤسسات كان ما بتتركنا يتحكم الكونترول والسايق بخلق ربنا، لو بنعنيهم احنا الي بنطلع بالباص كان مش هيك حالنا، اليوم ادرك ان عبد الرؤوف كان له مطالب انسانية، زيه زي غيرة، ولم يكن مصاص دماء، ولكنه ذهب للجهة الغلط لتلبيه مطالبه، ولكنه له مطالب.
اذكر اني في احد الايام دخلت الى المقهى، فاحضر ارقيلته وجلس بجانبي، وبدأنا بالحديث، حدثني عن ضرورة الهدم والبناء الجديد ونبذ كل ما هو مستورد لانشاء حضارة اسلامية، واستشهد بالطحاوي، قلت له، يا رجل “مين الطحاوي”، مالك بن نبي فيلسوف الحضارة الاسلامية في كتابه شروط النهضه بيقول، “لا يمكن اقامه حضارة بمعزل عن الحضارات القائمة” والاسلام استفاد من انفتاحه على الهند وفارس وتلاقح مع الحضارات الجديده، وكل امه لها نكهتها في الاسلام، لا اذكر تماما هل انتهى حديثنا عند ذلك ام استمر، ولكن بعد فترة، جلسنا في ذات المقهى، قال لي بحماس، مالك بن نبي قال انه يجب الهدم الكامل وبناء نموذج خاص زي ما حكيت انا، قلتله يا رجل مستحيل، قريت الكتاب، حكالي لا، قرات نقد للكتاب.
لماذا تذكرت كلمات عبد الرؤوف تلك اليوم؟، قبل كتابتي لهذه الكلمات، انهيت كتابا يتحدث عن سر الجاذبية لداعش، ساعدني الكتاب على وضع كلمات عبد الرؤوف في سياق جديد، هذا السياق يدفعني للتأكد ان عبد الرؤوف ضحيه نظام تعليمي متخلف، علم هذا الاخير عبد الرؤوف ان هناك حقيقه واحده، ومعلومة اكيده واحده، ولقنه ما يريد، لم يعلم هذا النظام التعليمي عبد الرؤوف، ان هناك حاجه للتأكد من المعلومه، والبحث في مصدرها، لانه لو علمه ذلك لهدم كل ما لقنوه اياه.
النظام التعليمي والمؤسسات الفاشله والهشه في الدولة، التي تقدم لمجموعه بعينها خدمات وميزات على حساب من يشبهون عبد الرؤوف هي المسؤول عما حدث لعبد الرؤوف ورفاقه، ومن يطبلون لعهر الدولة هم من قاده الى الجنون، ذهب لشعوره بانه متروك، اعتقد ان اقامة العدل هناك، بعدما فقد الامل هنا، عندما تذكرت ما قاله لي ، “لم اقرأ الكتاب ولكن قرأت من انتقدوه”، كان يبحث عما وعيؤكد له الفكرة التي يحملها، من دون ان يتأكد هو بنفسه، هذا ما تعلمه في مدارس وجامعات دولته السابقه، ونفس الشيء لقنوه اياه في دولته الجديده، (لا تفكر) كل يوم ازداد قناعه ان ” سوس العود منه وفيه”.
احمد مطر يؤكد ذلك حين يقول:
أصْلُ الحكايَةِ غَيْرَةٌ وتَحاسُدٌ
ما بَينَ جيلِ النَّشْءِ والرُّوادِ!
يَتفارَقونَ بِشَكْلِهِم، لكنَّهُم
رَضَعوا حليبَ طِباعِهِم مِن زادي
وأنا رَؤومٌ، لا أُفَرِّقُ بينَهُم
هُم في النّهايَةِ.. كُلُّهُم أولادي!
