لا تحدّثني عن حقوق الإنسان

لا تحدّثني عن حقوق الإنسان
مقال الخميس 15-11-2018
الأسبوع الماضي كنت ومجموعة من الزملاء الصحفيين في زيارة إلى جنيف بعد أن تلقينا دعوة من المفوضية السامية لحقوق الإنسان لحضور دورة في الإعلام مدتها خمسة أيام تخلّلها مناقشة الاستعراض الدوري الشامل لتقريري السعودية والأردن في حقوق الإنسان.
**
لا داعي للحديث عن حقوق الإنسان في سويسرا، فمنذ لحظة وصولي وخروجي من المطار “سكّر صدري” و”راح صوتي”..بسبب الهواء النقي الذي يهبّ عليها من أعالي الجبال، بينما ” فلاتر صدري” معتادة على دخان الديزل والطوز وحرائق الحاويات آخر الليل.
لا تحدّثني عن حقوق الإنسان في “جينيف” فالمواصلات مجّانية ( قطار، باص، باص سريع، سفينة) تجوّل انّي شئت ومهما شئت فلا أحد يسألك عن وجهتك ولا عن بطاقتك التي يسلّمها إليك الفندق ترفاً..
لا تحدّثني عن حقوق الإنسان في جينيف فالعاطلون عن العمل يتقاضون معونات تصل إلى 2000 فرنك أي ما يقارب 1700 دينار أردني فقط لا غير..
الطبقة المسحوقة تتراوح رواتبها ما بين 3000 الى 4000 فرنك..اما الطبقة المتوسطة فيصل دخل الفرد إلى 7000 فرنك سويسري شهرياً..
لا تحدّثني عن حقوق الإنسان في جنيف فكما أخبرني معزّبنا الصديق محمد النسور “أبو شهم” مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المفوضية السامية لحقوق الإنسان..أن تعديل القانون هناك جداً سهل، إذا ما وقّع ألفا سويسري على عريضة مطالبين بإلغاء قانون أو فرض قانون تلقائياً يلغى أو يقر ،فالحياة سهلة بدون “مباطحة وتفتفة وتزريق” من تحت الطاولة من قبل مجلس نيابي معظمه يبحث عن مصالحه وصفقاته..
لا تحدّثني عن حقوق الإنسان في جنيف ، فهناك يأخذ كل ذي حقٍ حقه ، دون واسطة أو محسوبية أو من “طرف فلان” أنا مواطن يعني (أنا مواطن) لي كل الحقوق بما أني مؤدّ لكل الواجبات فلا منّة من فلان ولا مكرمة من علنتان ولا “أرجو التعطّف” و”التكرم” و”النظر بعين العطف” !!، في جينيف لا يوجد نوّاب عطاءات ، ولا نوّاب “كروزرات” والأهم من ذلك لا يوجد عندهم “عوني مطيع” وأذرعه اللا منتهية!!..
في قاعة الأمم ،ذات القبة المجنونة بألوان مرجانية وكأنها قاع بحر مقلوب ،تطفو المجاملة النافقة على سطح العلاقات بين الدول ،ومن تحت تلك القبة المقلوبة عرفت كيف تضيع حقوق الشعوب ،ابتسامة وهزّة أكتاف ضاعت فلسطين، ابتسامة وهزّة أكتاف أخرى زوجوا العراق من مغتصبها ،ابتسامة وهزّة أكتاف تم غض الطرف عن عشرة ملايين سوري قتلوا وشردوا واعتقلوا ويتّموا…
**
يوم الخميس كان الوفد الحكومي – الذي على المستوى الشخصي نحترم ونقدّر- يعتلي منصّة حقوق الإنسان ليقدّم تقريره، سمعت كلاماً عن حقوق الإنسان في الأردن ما لم تره عيناي في جنيف، فحسب التقرير أن التعليم مجاني والصحة مجانية ،ولا توقيف لدينا، ولا توقيف بدون محاكمة ،ولا اعتقال ، ولا تعذيب بالسجون، وحرية الرأي والتعبير نمارسها بأعلى مستوياتها ،وأن لا تهديد من قانون الجرائم الالكترونية الجديد، وأننا نولي الإنسان رعاية ما بعدها رعاية حتى الوفاة ، والوضع “لوز” والشعب “منغنغ آخر حلاوة” ، الأمر الذي دعا صديق مصري يرفع السماعة عن أذنيه ويقول لي 🙁 انتو جايين هنا ليه..مهو الوضع زي الفل عندكم أهوه)..
في ذات الوقت طلب مني بعض السويسريين- بعد الاستعراض- أن يهاجروا إلى الأردن سائلين عن إجراءات اللجوء أو الهجرة أيهما أيسر وأسرع فرفضت وقلت لهم : كشّ..برة..هذا الأردن أردننا..بينما طلبت مني فتاة سويدية – زي القمر – أن ترتبط بي ولو على الورق لتحصل على الجنسية الأردنية قلت لها بصرامة عالية تشبه صرامة ملحم بركات: لا تهزّي كبوش التوتي..ما بحبّك لو بتموتي!!.
يعني كنت أتمنى أن يكون (استعراضنا) الوطني أكثر واقعية وتواضعاً و يضع الأمور في نصابها ، كأن نعترف بأخطائنا ونقاط ضعفنا ونعد المجتمع الدولي أن نحسن من أدائنا لا ينقص من قيمتنا لديهم على العكس يعطينا مصداقية أعلى ..بدلاً من الظهور كأننا سكان مدينة افلاطون الفاضلة الله يطول عمره..مهو هيك هيك ما حدا مدقق!.
أخيرا، في جينيف حتى المطر ينزل ناعماً يحترم الرؤوس، كما أن شجر الشوارع وشجر الزينة يحصل على رعاية كافية من الدولة أحواض وحماية وتقليم وتسميد مبالغ فيه…ونحن هنا أشهر جملة في الشتاء تطلقها أم العيال: “تتعشّى ولا شبعان أروح أنام”..لا تحدّثني عن حقوق الإنسان!!
ربما كان “حلوان” هذه السفرة برفقة زملاء أعزاء ومناضلين مشهود لهم ،هو قرار محكمة الاستئناف ببراءة مركز حماية وحرية الصحفيين ورئيسه التنفيذي الزميل العزيز نضال منصور بعد عام ونصف من الحصار والمعاناة,ليعود المركز إلى دوره الطليعي في حرية وحماية والدفاع عن الصحفيين..وكأنها جرعة أمل في الوقت بدل الضائع توشوشنا: أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة ولو “مرمطة”!

احمد حسن الزعبي
ahmedalzoubi@hotmail.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى