
نصارى حول الرسول
لم يجتمعوا حوله في صعيد واحد ، ولا في زمن واحد ، فاحدهم ثبته في بداية نزول الوحي ، واخر آزره ،واوى اصحابه المضطهدين دون ان يلتقي به مرة واحده ، وثالث صحبه عقدا من الزمن ، وقدم المشورة وروى عنه الاحاديث ، ورابع لم يقدم له سوى قطف من عنب ونظرة تعاطف كانت في حينها خير بلسم لجراح نفسه الشريفه.
لكن حكاياتهم تشكل معا دليلا على ان الله ناصر دينه ورسوله بمن اراد واختار ، وانه سبحانه شرَف هؤلاء وغيرهم ليكونوا سندا وعونا له ، وليكونوا ( على اختلاف السنتهم والوانهم) خير دليل على عالمية هذا الدين .
نزل عليه السلام من غار حراء في تلك الليلة بعد ان تعرض لتجربة غريبة لم يعهد مثلها من قبل ، سارع الى زوجته خديجه رضي الله عنها يتصبب عرقا وما زالت كلمات جبريل تتردد في نفسه ( اقرأ بسم ربك الذي خلق) ، روى لها ما حصل معه في الغار ، فادركت بفطرتها السليمه ان ما تعرض له زوجها لم يكن مسا من الشيطان، فاصطحبته الى ابن عمها طلبا للمساعدة في استجلاء الامر .
– ورقة بن نوفل بن اسد بن عبد العزى ، تروي كتب السير عنه انه تنصر في الجاهليه وكان يكتب من الانجيل بالعبرانيه وكان شيخا كبيرا ضريرا ، وعندما اخبره الرسول صلى الله عليه وسلم ما حصل معه في الغار ، تدفقت الكلمات من فمه بانسيابية وعفوية ، اخبره ان هذا هو الناموس الذي نزل على موسى . لم يناور ، ولم يحاول اخفاء الحقائق او لي اعناقها كما يفعل البعض ، بل وزاد على ذلك بقوله ( يا ليتني فيها جذعا) أي تمنى ان يكون في ذلك الوقت شابا قويا لينصر النبي ويؤازره في مهمته ، ليس هذا فقط بل واخبر النبي ايضا ان قومه سوف يخرجونه من مكه ، واجهه بحقائق بديهية تقع للانبياء في مواجهة اكابر المجرمين في اقوامهم ، اولئك الذين يتصدرون عرقلة أي دعوة يعتقدون انها جاءت لتمس من معتقداتهم البالية الموروثه او تقلص من صلاحياتهم التي اكتسبوها بحكم تركز الثروات في ايديهم .
ورقة بن نوفل ، عبدٌ انعم الله عليه فحظي بشرف تثبيت النبي الكريم ، والرد على اسئلة جالت بخاطره في تلك اللحظات العصيبه .
– في السنة العاشرة للهجره ، قرر النبي صلى الله عليه وسلم الخروج الى الطائف لدعوة اهلها الى الاسلام ، قطع ما يزيد عن مائة كيلومتر سيرا على الاقدام بصحبة مولاه زيد بن حارثه ، خرج عليه السلام على هذه الهيئة كي لا يثير شكوك سادة قريش الذين كانوا يتابعون تحركاته ويعدون عليه انفاسه . وفي الطائف لقي النبي من السخرية والصد الشيء الكثير، ولم يكتف زعماء الطائف بذلك بل اغروا به بعض سفهاءهم فطفقوا يرمونهم بالحجارة ، وزيد رضي الله عنه يحاول الدفاع عنه ، والتجأ النبي الى بستان لعتبة وشيبه ابني ربيعه اللذان اشفقا على حال النبي وارسلا اليه غلاما نصرانيا يقال له ( عدَاس) ومعه عنقود عنب ، كان النبي عليه الصلاة والسلام قد هدأت نفسه بعد ان ناجى ربه بدعاء جميل ، دار حوار بينهما التقط الفتى عداس من خلاله بعض الاشارات التي تنبىء بحقيقة الرجل الجالس امامه ، وادرك انه نبي مرسل ، فانكب يقبل رأسه ويديه وقدميه ، واعلن اسلامه، وكان في هذا اعظم المواساة للنبي بعد الاذى والتكذيب الذي لقيه من اهل الطائف.
– مرت مراحل الدعوة بالعديد من المحطات الشائكه : تكذيب قريش للنبي وايذائه بالقول والفعل، الحصار والمقاطعة لبني هاشم في شعب ابي طالب ، واستشهاد العديد من اصحابه تحت التعذيب كعمار بن ياسر وزوجته سميه وسواهم ، فكان لا بد من اللجوء الى مكان اخر يحفظ حياة هؤلاء حتي يقضي الله امرا كان مفعولا ، وقد رتب النبي عليه السلام هجرة اصحابه الى الحبشه حيث ملكها النصراني ( النجاشي) الذي وصفه النبي بانه لا يظلم عنده احد .
وتم الامر على النحو الذي خطط له النبي عليه السلام وبقيت جماعة المهاجرين في ارض الحبشه امنين ، ولم تفلح محاولات قريش لاستردادهم برغم انهم ارسلوا وفدا برئاسة عمرو بن العاص الذي كان على قدر كبير من الدهاء والمناورة ، وبرغم الضغوط التي حاولت حاشية النجاشي ممارستها عليه ، الا انه اثر الاستماع الى الطرفين ، وخرج بقراره ان لا يعيد هؤلاء الى قريش حتى لو ادى ذلك الى تضرر مصالحه التجارية مع مكه .
تذكر الروايات ان النجاشي اسلم واراد اللحاق بالنبي عليه السلام ، الا انه لم يتمكن من ذلك بسبب ضغوط حاشيته ، وتوفي النجاشي فاخبر النبي اصحابه بامر وفاته وصلى عليه صلاة الغائب.
– لا يذكر اسمه الا مقرونا بلقب ( الباحث عن الحقيقه) ، ليختصر ذلك اللقب مراحل حياته الدينيه من المجوسيه الى النصرانيه لينتهي به المطاف كواحد من كبار صحابة النبي عليه السلام .
ترك حياة الثراء والترف في موطنه فارس ليعتنق النصرانيه ، وتنقل في خدمة العديد من رجال الدين الذين اختبر اخلاصهم وصدقهم ، كلما قضى واحد منهم اوصى به الى من يتوسم فيه الصلاح ، حتى اذا حضر اخرهم الاجل اوصاه بان يرتحل الى المدينة لان زمان ظهور نبي الامه قد حل ، ولم تكن رحلة سلمان الى المدينة المنورة بالسهلة ، فقد احتال عليه رجال احدى القوافل وباعوه كعبد الى احد يهود المدينه ، وبقي سنوات يتحمل ذل العبودية على امل الالتقاء بالنبي الكريم ، الذي ما ان سمع بقدومه حتى بادر اليه مستعملا كل الطرق الممكنة ليتثبت من حقيقة نبوته ، واصبح سلمان في قادم الايام من اقرب الصحابة الى النبي حتى قال عنه ( سلمان منا اهل البيت) .
هؤلاء بعض النصارى الذين امنوا بالنبي وناصروه كلا بالقدر الذي رسمه له الله الخالق عز وجل ، ولعل من الجيد ان نختتم المقال بذكر قصة الراهب بحيرا ولقاءه العابر مع النبي عندما كان صغيرا بصحبة عمه ابي طالب في تجارة ببلاد الشام . فما ان وقعت عينا الراهب عليه حتى اوصى عمه ابو طالب بان يحرص عليه ذاكرا انه النبي الامي الذي بشرت به الكتب السماويه .
تلك اسماء مباركة حظيت بشرف الدخول في سيرة المصطفى عليه السلام ، فطوبى لها .

