
مريم وأشياء أخرى .. قراءات نقدية
#شبلي_العجارمة
لم يكن بمقدوري أن التقيَ بحكائية (مريم وأشياء أخرى)‘ دون أبجديات طقوس القهوة الطازجة‘ والعزلة المهذبة‘ والركن الذي يمتص الضوضاء قبل أن تصل إلى بلور شباكي في غسق ليل قريتي الحافل بالصمت ‘ وهنا أرسلت شراع مركبي‘ وأسلمت لرياح الفهم لما بعد البنية العميقة على حد قول (نعوم تشومسكي) ‘ وأبحرت لا أخشى غرقًا ‘ ولا مدركًا نجاةً من ذكاء كاتب (مريم وأشياء أخرى)‘ حين أخذني بعتبات السرد دون أدنى إرادة لصولجان الملل أو الانعتاق لتأجيل رف مريم لليلةٍ أخرى أو صباحٍ آخر.
(أنور) هو منحوتةٌ آدمية ‘ تعرفنا ونعرفها ‘ تشبهني وتشبهك وتشبههم ‘ لكن نايل الزوغة ‘ بث فيها أرواحٌ شتى؛ روح الإنسان الهامشي ‘ وروح العبثية ‘وروح المجتمع المتنمر برمزية (عيسى) ‘ وروح أم أنور ‘ المرأة الشرقية التي يأخذها زبد الظروف نحو شواطىء مجهولة ‘حالها حال الآرامل والمطلقات ومن عبرهن قطار الزواج في بلداننا وقرانا‘ وكذلك روح المعلم( رضوان ) ‘ الإنسان المثقف الواعي المطلع ‘ وما استثمره الكاتب بحذاقة فكره‘حين سلط الضوء على رمزية المعلم بين زمنين ويبن مفهومين ‘ كما بث روح والد مريم في حكمة الكبار وطيبة آخر جيل الطيبين‘ ومريم التي تنامت مع بطلنا أنور في فسيولوجية مقبولة ‘ واستدعاء واعي .
كان البطل (أنور) بلا منازع هو محور سردية مريم ‘والتي نسج من خلالها الكاتب الزوغة كل خيوط معالجاته الرئيسية والفرعية ‘ حيث اتكأ الكاتب على محورين أساسيين ؛ الحوار الداخلي (المنولوج)‘ والحوار الخارجي (الديالوج)‘ حيث بدا هذا جليًا في كل فصول وحياة (أنور)‘ والذي كان يراوح بين أمنياته في هذا الحوار الداخلي مع الذات ‘وبين الواقع المر الذي يكابده (أنور) لاستحالة تطبيق كل هذه الأمنيات‘ إلا أن هذا الحوار الداخلي الإيجابي هو الذي بدأ يؤتي أكله مع استذكار نصح الأستاذ (رضوان) ‘ والذي تمخض فيما بعد ليصبح أيقونة تنويرية ‘أو قناديل تضيء درب (أنور) المعتمة أحيانًأ‘والخافتةِ أحيانًا أخرى والمشرقة في بعض الأحايين.
من الإشكاليات التي عالجها الكاتب ؛ هي التنظير الذي تكابده مجتمعاتنا ‘ وذلك الانفصام ما بين القناعة والشعار ‘ من خلال الوقفة الاحتجاجية التي مر منها (أنور) بلا قصد‘ حين سُجن‘ بينما لم ير المعلم (رضوان) الذي تحدث بين جدران غرفه وأمطر (أنور) بوابل شعارات وقيم وخطوط عريضة‘ بينما غاب الاستاذ رضوان عن تلك الوقفة الاحتجاجية .
وإحدى الإشكاليات أيضًا ؛ التنمر ‘أو إن صح التعبير شريعة الغاب المرخصة التي تنشأ من الأسرة والمجتمع والمدرسة ‘ وتخلي أطراف الحلول والغياب الكامل عن وضع أبسط الحلول لها ‘ حتى تلك الأم كانت رمزية زواجها وتركها لــ أنور في مهب ريح الحياة وأعاصير الظروف أيضًا هو التخلي المبرر بأدنى درجات التبرير الخجلى.
أيضًا‘ إشكالية صراع الخير مع الشر المتمثلة في خليل ومقهاه ‘وكذلك النهاية المقنعة لتلاشي الشر بغياب خليل الأبدي عن مسرح سردية مريم وأشياء أخرى‘وكذلك لتشظي (عيسى) ‘ وبقاء صفة الطيبة والنقاء كحام خاص في نوع أنور الذي كانت لديه المقدره وسنحت له الفرص بالانتقام وإنهاء حياة خليل وكذلك أخذ حقه من عيسى بسبب تلك الندبة التي كانت لعنتها تطارده ‘ فعاد في مرة لأنور الطيب والبسيط الذي عرفنا إياه الكاتب .
أيضًا معالجة قبول الآخر وحل مشكلة البطالة ‘ في منح الشباب الفرص حتى وإن لم يحالفهم حظ التحصيل العلمي ‘وأن الحرفة لا تقل أهميةً عن بقية الحرف والوظائف‘ والتي تمثلت في وظيفة أنور التي بدأت منها بداية حلول ونهاية العقد تباعًا‘ وذلك التغيير الذي تركته على أنور تبعات الوظيفة ‘ والذي كان سببًا في تطور والد مريم وبقالته والنتائج المذهلة التي عادت بالنفع على ثلاثية أنور ومريم ووالد مريم.
لقد لجأ الكاتب في إيجاد البدائل ‘ للمزاورة بين الأسود والأبيض ‘ أو ما يعرف في البلاغة العربية في البديع ؛الطباق والمقابلة ‘ بين الكلمة وضدها ‘ أو الصورة وما يقابلها ‘ وهذا ما يستخدمه الكتاب في المقارنة بين الأشياء للإقناع وتعميق الفكرة وتأكيدها ‘ وهي تسجل للكاتب بكل امتياز وبكل تجرد وحياد.
يقول( كونفوشيوس) في فن القصة والرواية:” الذي يدق مسمارًا فوق الباب ‘ ثم لا يعود ويعلق معطفه عليه يجب أن يُشنق على هذا المسمار “‘ وهنا أرى الكاتب قد أفلت من مقصلة (كونفوشيوس) الأدبية‘ بالذات في رمزية الساعة؛ ساعة الأب التي كنت أتتبع رمزيتها بكل تلهف ‘ هل سقطت سهوًا من باب الإكسسوار القصصي‘ لكنها حملت رمزية محبة الأم لأبي أنور الخفية ‘ والتي تخلصت منها في بيت زوجها الجديد‘ وكذلك رد الحقوق وأيقونة الإرث ولو كان بسيطًا ‘ لكن الرمزية الكبرى كانت قيمة الوقت التي عرفها بعد ذلك أنور في عمله الجديد‘ حين أصبح للساعة في معصمه قيمة ذات جدوى ‘وأهمية الوقت بشكلٍ عام في تطور الفرد والمجتمع والشعوب‘ وعلاقة النجاح والإخفاق.
ربما أن خطوط الزمن الثلاث: الوهمية‘ السردية والزمن الحقيقي قد كانت خافتة نوعًا ما‘ لكن يمكن الاستدلال عليها من خلال الهاتف الأرضي الذي كان يستخدمه والد مريم في بقالته ‘ بحيث لم تبدُ ملامح الزمن الحقيقي واضحة لتحديد وتيرة تلك الأحداث التي ربما لمسنا منها تغيرواجهات المحال التجارية من الأبواب التقليدية للواجهات الزجاجية التي بدأت ما بين الثمانينيات والتسعينيات‘وكان على صديقي الكاتب النقش على جدار الزمن بصورة أوضح رغم رمزية زمن تذكر واسترجاع مسرح المدرسة الحياتي لأنور‘ وكذلك تقاعد المعلم رضوان ‘ وتطور البقالة لأبي مريم‘ ورمزية الساعة التي كانت أهميتها قبل صيحة الهواتف النقالة.
بقي أن أقول كلمة حق ‘ نايل الزوغة رغم أسفاره وتنوع ثقافته الواسعة الطيف ‘ لم ينسلخ عن قريته وواقعه ومجتمعه ‘تحدث معنا من نافذة تشخيص واقعنا والذي كان بإمكانه أن يروي لنا عن شقراء صادفها في مغامرةٍ غرامية في شارع( آدمز مورغن) في (واشنطن )‘ لكنه حدثنا فيما يشبهنا ونشبهه‘ ورتب لنا إشكالياتنا ومعالجاتها وترك لنا الاختيار في بعض المغالطات الاجتماعية .
كانت النهاية طبيعية‘ نهاية مفتوحة غير معقدة ‘تتواءم مع تلاشي الشر والسلبيات ‘ رغم الموت الذي غيب أبا مريم ‘ لتستمر الحياة بتوالد الخير من الخير .
(مريم وأشياء أخرى)‘ كم أتمنى أن يلتقطها مخرج تضمخ جبينه بقرق قرانا ‘ وطاقم تمثيل محترف ليجعل من مريم وأشياء أخرى موعد على شاشاتنا المحلية والعربية لتنبض بنا ونتعايش مع أشخاصها.