[review]
هذيان من وحي موت 3
كلما قرأت عن نمر إفترس مدربه
في السيرك أو حارسه في حديقة
الحيوان…
طرت فرحا داخل قفصي ..!!
(ابراهيم نصر الله)
………………………………..
لا تتركوا العصافير وحيدة باقفاصها 3
…………………………………………………….
فتحت ذراعيَّ، ورفرفت، رفرفت، شعرت أنني أرتفع، فرفرفت أكثر، وأكثر، فارتفعت أكثر، كل المدينة كانت من تحتي فملأ الرعب عينيَّ، لكن قلبي كان ينبض بالسكينة، لمست ندى المدى ورأيت الأفق بلباسه البرتقالى، لا أعرف؛ أكان يتدلى خلف الكون، أم أنه لتوّه بالشروق يتجلى؟ فأنا لم أتعرف على الوقت بعد ولم أعرف الاتجاهات وأنا أطير، مرت من جانبي غيمة بيضاء
توشك أن تبكي، حدقت بملامحي، شدني صفاؤها فغازلتها، أشاحت بوجهها حياء، كنت أعرف أنها تريدني لولا أن الأرض قبلي أرادتها!
كل الطيور التي صادفتها كانت تهرب مني، ربما لضخامة جسدي، إلا طائر سنونو حام مرات حولي ثم وقف على كتفي، وبلباقة سألني: أهي المرة الأولى؟! قلت له بفرح: نعم. قال: وكيف كنت تعيش من قبل؟! قلت له: على الأرض طبعاً. قال: كلنا نعيش على الأرض. قلت: أقصد أنني كنت أمشي على قدميّ. قال: ولمَ اخترت أن تطير؟!
لم أجبه، وصمتُّ طويلاً وأنا أفكر بسؤاله: “لماذا طرت؟! وكيف؟” لم تخطر ببالى الفكرة من قبل، كيف طرت وأنا لا أملك أجنحة كباقي الطيور؟! قلت له بعد طول صمت: للمرة الأولى أكون فيها فوق كل شيء، أرتقي على كل شيء، لم أختر الطيران والتحليق لكن يبدو أنه هو من اختارني يا عزيزي. قلت هذا ولم أعد أشعر بوجوده، تمايلت
ومضيت أحلق فوق السجن القابع على تلة خضراء!! المشهد من السماء يوقظ النشوة، جمال المبنى وما يحيط به من أشجار كثيفة، وأرض خضراء، تساءلت: كيف يكون السجن جميلاً؟؟! حاولت من الأعلى أن أرى وجه صديقي، لم أتمكن، كان السجن محاطاً بالسرّ، وغيرُ تأويل يقف في طريق الرؤية، رأيت رجال الشرطة بلباسهم الأزرق فتذكرت السماء، وغيومها البيضاء، لم يكن في الأسفل أي أبيض وإن تشابهت الألوان! تمايلت مرة أخرى، وعدت لأحلق فوق المدينة وحومت حول المبنى الذي منه قفزت، ونظرت فإذا بي ما زلت أمسك بالعصفور الميت وأبكي، كنت أريد أن أحط هناك لأخفف عني فخشيت إن فعلت أن أفقد قدرتي على التحليق من جديد، ناديت ما كان يسمعني، وكأنني أنادي من خارج الكون، حاولت أن ألفت انتباهه إليّ، لكن بصري ما كان يرتفع عن كفي وهو يحمل العصفور. انتبهت إلى فضاء المدينة؛ كانت تلبس عباءة الليل، ازداد أرقي ووجعي، فرفرفت أكثر، وأكثر، وأكثر. أريد أن أطرق باب السماء، لكنها كانت بعيدة جداً، صرخت فوق المدينة صرخة مدوية، لكن أحداً لم يلتفت، كيف وكلهم بالأسفل ولا يسمعني أحد؟! وحين انتشر الظلام أكثر انتبهت ذاكرتي، وانتبه الخوف؛ إذا حل الظلام تنام الطيور وتركن في أعشاشها حتى نبض الفجر الأول، وتساءلت أين هو عشي؟! وكيف أعود إلى الأرض أمشي، وأنا بإمكاني أن أحلق؟ هل سيكون بإمكاني أن أطير مرة أخرى في الفجر؟؟! وكيف أعيد رسم
نفسي من جديد على السطح، كيف أعود؟! بدأت أشعر ببرد يدب في مفاصلي، وكان كل جزء من جسدي يشعر بالتعب، كنت أتمايل ولكن بطريقة أخرى، وكأنني طائر ثمل، أو طائرة جريحة، حاولت أن أرفرف، كنت بطيئاً، والسماء والنجوم كأنها تحتي، حدقت إلى الأعلى، رأيت الأرض تقترب، أرخيت كل جسدي، وركبت حزني، وأنا أهوي، أهوي، أهوي.
