كراهية الخطاب ومنبع الإرهاب! / نورس عدنان قطيش.

كراهية الخطاب ومنبع الإرهاب!

شاع في الآونة الأخيرة مصطلح خطاب الكراهية، وتنامت فحواه في المجتمعات المنغلقة القائمة على الأنا الجمعيّة، بتعدد أشكالها المذهبيّة والطائفيّة والقبليّة والمناطقيّة والأيدلوجيّة.
تتسع كراهية الخطاب في وقتٍ أصبحت فيه مجتمعات الفيسبوك وتويتر وغيرها بيئة خصبة لهواة الشهرة المنغمسة بالحقد ونبذ الآخر والتسلّق على حساب اغتيال الشخوص، نتساهل من حيث لا ندري مع نجوم السوشال ميديا بمزيد من الإعجابات والمشاركات، متغافلين بأيّ طريق نحن نسير!
أصبح الكثير من معتنقي ديانة الكراهية وكلاء حرب يخوضون معارك مفتوحة في ساحات مواقع “الاقتتال” الاجتماعي، ولتصبح مقاتلاً عصريّا؛ لن يكلّفك الأمر شيئاً، فقط؛ اشحن قلبك بالحقد، ارفض الآخر بشدّة، واحفظ عدداً من الألفاظ الشوفينية.
كذبة “التواصل الإجتماعي” بمنصّاتها، انطلت على الكثير ممن فرح طويلاً باتّساع حريّة التعبير وارتفاع السقف السرمديّ الذي طال الخالق المتعال. لم يقف الأمر هنا؛ بل تعدّى ليطلّ علينا من حيث لا ندري هواة التحليل بوابل من التفسيرات، كلّما حدث في الوطن أمر جلل؛ أنّ للحكومات فيه مأرب مستتر من تكميم للأفواه والحدّ من سقف التعبير على حساب كلّ الجراح التي تفتقنا كلّما هبّ الهواء وناح.

لنعيد ترتيب الأوراق المتطايرة في الفضاء الإلكتروني الذي خلق حريّة مطلقة بلا ضوابط أخلاقيّة وقوانين رادعة، فأبواب تلك المواقع تعلو وتتّسع أمام من يغذّي الكراهية المتخمة بالحقد على الآخر، حيث أصبح أحدنا ليس بمأمن على نفسه إن عبّر عن رأيه من الإغتيال وهو في عقر داره، فأبناء الطبل متكأ بمقدورهم أن ينالوا من أيّ شخص من أجل حفنة إعجابات وبعض الإطراء والمجاملات من جمهور بعضهم مهترئ!
الإعلام بمختلف قنواته له الدور الرئيس في بثّ خطاب الكراهية بشكل يوميّ للقرّاء، والسوشال ميديا أصبحت المحطّة الأشمل للنشر وتلقّي الأخبار عبر نشطاء مغمورين وإعلاميين ثرثارين يكثّفون من دسم السلبيّة والتحريض الأعمى.
تنامى الإعلام المتخصص بالكراهية في ظلّ غياب ملحوظ لإعلام مهنيّ يعزّز من اللحمة الجامعة لمكوّنات الشعب ويدرأ من سمّ الزعاف الضارب في كبد النسيج الوطنيّ، حيث أصبحت الخطابات المعنّفة ذات رواج ومادّة سائغة للقارئ، مما جعل من المجتمع حاضنة خصبة ومتقبّلة، تأثّرت بها وحوّلتها لواقع منقسم يفرّخ مزيداً من العنف.
الارتفاع بوتيرة وحدّة الشتم والقذف في الخطابات يعود لأسباب جمّة، تدور مجملها في فلك التناحر السياسيّ لمختلف الأحزاب والأيدلوجيات، مما جعل من إعلام الكراهية أداة حرب وكسب؛ شوطاً يطيح بها الآخر، ويكسب بالشوط الآخر مزيداً من عوام الببغاوات المصاب بحمّى “النسخ واللصق”!
لم يعد كثيرون يلقون بالاً لشعرة معاوية الضائعة بين النقد والشتم، والخطاب الناقد أصبح منفّراً لذائقة القرّاء، ولا يستسيغهم إلا الخطابات الشوفينيّة التي تهيّج العاطفة الواخزة. من يموّل إعلام الكراهية من الأبواب الخلفيّة غايته إبقاء الشعوب مغيّبة عن الوعي العميق، وإلهاءها بزخم الأخبار المعلّبة الدائرة في حدود الحريّة الوهميّة، لتنشطر منقسمة، تتناحر بينها كبيادق دون أن تخرج متفرّجة من رقعة الشطرنج، لتمرير صفقات مربحة وتحقيق غايات هادفة.

حبذا لو دعت النخب المجتمعيّة لحوار وطني يناقش الحالة المتأزّمة اليوم، ويضع الحلول اللازمة لاجتثاث كراهية الخطاب القميء السائد ابتداءً من الأسرة للمحيط، والحاجة ملحّة لإعادة النظر بضوابط الإعلام ومضمونه الخطابي، وإنشاء إعلام متخصص يراعي أزمة الحقد الخطابيّة التي تغذّي منابع الإرهاب.
كما سهّلت مواقع التواصل نشر المزيد من خطابات الكراهية والحقد في المجتمع، يسهل أيضاً الكشف عن مصادر تلك الخطابات وأيقوناتها بكبسة زرّ، فالحاصل الآن يستدعي أن نقف مطوّلاً، ونتمعّن قليلاً للوراء، فمن حرّض بالأمس، اليوم هو أوّل من يتباكى على جراحنا، وفي الغرف المظلمة ينهش في قلب الوطن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى