أسطرة الدين

#أسطرة_الدين
مقال الإثنين: 29 /12 /2025

بقلم: د. #هاشم_غرايبه
يتعلق الناس بالأساطير، سواء كانوا شعوبا متقدمة أم متأخرة، ولازمت البشرية منذ القدم، وامتزجت بالتراث الفكري والأدبي، لكنها في العصور الحديثة أصبحت بأطر مختلفة، اغلبها مما يطلق عليها الخيال العلمي.
ولما كان الدين مبنيا على الإيمان بغيبيات معينة، لذا وجده بعض الدعاة مبررا لنسجهم قصصا ترقى الى مرتبة الأساطير، مجيزين لأنفسهم نسبة تأليفاتهم وابتداعاتهم الى الأولياء والصالحين الإفتراضيين، أوالى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحجتهم أنهم حسنو النية ويريدون إصلاحا وتقويما للنفوس.
هنالك أمثلة كثيرة على ذلك، سأعرض لأشهرها وأكثرها تناقلا على ألسنة الوعاظ وشيوخ المساجد، ويتمثل برواية منسوبة الى النبي صلى الله عليه وسلم تتناول قصة فتاة أدخلت النار لأنها لم تكن تغطي وجهها، فقالت لله عز وجل: لا أدخل النار حتى أدخل أبي معي لأنه لم يجبرني على ذلك.
الدليل الإستدلالي على عدم صحة الرواية، وأنها وضعت لتخويف الآباء وتحميلهم المسؤولية عن أفعال أبنائهم، أنه لا يمكن أن يعذب الله إنسانا بجرم غيره، كما أنه كيف لأحد أن يعترض على حكم الله بدخوله النار؟، وكيف يمكنه أن يرفض ذلك ويفرض شرطا لقبوله!؟… فهل يمكن لهذه القصة مع كل تلك التناقضات أن تنتسب الى الأحاديث الشريفة!؟.
لقد جرى وضع هذه الأساطير على أزمان متفاوتة، بدأت مع ترسيخ مبدأ الحكم العضوض، لتحويل اهتمام الناس عن مخالفة الحكام لمباديء الحكم الشوري الى قضايا العبادات والتعاملات الفردية، وجعل مناط الدين الإصلاح الفردي وترك مهمات النظام المجتمعي العام لأنظمة الحكم، ثم دخل المتشددون من هذه الثغرة فألبسوا عقدهم النفسية لباس تشريعيا، وجعلوا هواهم هو مناط الدين، واستفادت السلطات على مر العصور من ذلك لأنها تلهي الناس بالجزئيات عن ملاحظة العيوب الكبرى في تحكيمهم للدين في حياة المجتمعات.
وما زال هذا التحالف المربح للطرفين قائما الى اليوم.
وعليه فإن أسطرة الدين هي بلا شك من الأدوات الرئيسة التي استخدمت لإبعاد الدين عن الواقع المعاش، أي فصل قوة الدين عن التأثير السياسي في الدول، وترك المجتمعات لفساد الفاسدين ونهبا للطامعين.
السلاح الفعال لتثبيت رواياتهم كجزء أساسي من العقيدة هو الإحتجاج بورودها في صحيح البخاري، وعلى الرغم من الجهد الضخم المبذول في هذا الكتاب لتصحيح الأحاديث، فلا يمكن الوثوق بقطعية الصحة، فلا كتاب محصن من الطعن إلا كتاب الله عز وجل، فهو فوق النقد والتمحيص، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم لا يُرَدُّ ولا يناقش، فهو تشريع مفصل وموضح للقرآن، كما أنه يخصص المعمم منه، لكن ما يناقش هو الروايات وصدقية انتساب الرواية.
إن الإيمان بأن السنة مصدر هام مكمل للقرآن في فهم الدين والتشريعات يجب أن لا يدفعنا للسكوت على اختراقات بعض ذوي الأغراض الخاصة لدس أهوائهم ورغباتهم من خلال وضع أحاديث، أو تشويه ديننا من أجل إظهار أنه مجرد أساطير.
كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حق كله لأنه موحى به من الله، لكن مناقشة محتويات كتب الفقهاء والعلماء أمر جائز، وقد قام الشيخ صالح الشامي بجهد عظيم في كتابه “معالم السنة النبوية” ونال كتابه هذا تقدير كل علماء الحديث، فقد حصر الأحاديث الصحيحة الواردة في جميع كتب الحديث الأربعة عشر، فوجد أنها 114194 حديثا، وبعد حذف المكرّر روايات وصيغ، أصبحت 28430، ثم دقق فأزال كل الأحاديث الضعيفة فلم يبق من أحاديث مؤكدة الصحة سوى 3931، وكان من هذه الأحاديث 2131 حديثا من صحيحي البخاري ومسلم أي ما نسبته 55% من الأحاديث المؤكدة الصحة، ولو افترضنا أنها جميعا من صحيح البخاري الذي يضم 7563 حديثا، فكم حديثا فيه لا تصح نسبتها الى النبي صلى الله عليه وسلم!؟.
فإذا ما علمنا أن الشيخ صالح الشامي رحمه الله عالم كفؤ عدل لم يطعن أحد في استقامته، ولم يدّعِ عليه أحد من المتشددين بأنه مشكك في السُنّة.
نخلص إذاً الى القول أنه لا يجوز تقديس صحيح البخاري، ولا صحة لرأي من يقول أنه المرجع الثاني المؤكد الصحة بعد القرآن، بل يجوز نقده وتمحيصه وتنقيته من الخرافات والآساطير ، ولا يعتبر ذلك تشكيكا بل تصحيحا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى