
بسم الله الرحمن الرحيم
“أزمة كورونا”
(2) مسار التعافي منها
د نبيل الكوفحي
1- مقدمة
بعد ادراك مفهوم المشكلة التي أوجدها فايروس كورونا محليا، والاجراءات للحيلولة دون تحولها الى أزمة، حيث كانت هناك دروس مستفادة من تجارب وأخطاء الدول الأخرى، لا بد من التفكير الجماعي للحيلولة دون الوقوع في أزمة اقتصادية واجتماعية حقيقية وليست محتملة. فبعد قرابة شهر على ظهور الاصابات وتعطيل المدارس فالجامعات وثلاثة اسابيع من حظر التجول وتعطيل معظم الاعمال، بات واضحا ان معدل الاصابات منخفض، ويسير المنحى نحو النزول وليس الصعود. وسأركز هنا على الاجراءات على المدى المباشر، ولن أخوض في تقييم الاجراءات التي اتخذت ومقدار فائدتها على المواطنين، املا أن تحظى بتفكير وتصويب فتوصيات لأصحاب القرار كل بطريقته التي يستطيعها.
2- منهجية الخروج من الأزمة
عملية الخروج تقتضي تحليل المشكلة وتداعياتها، والموازنة بين الخطورة المباشرة للعدوى وبين الاثار الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عنها، سواء على المدى القصير والمتوسط والبعيد. فالوصول لحالات صفرية من العدوى تستغرق وقتا طويلا وتستدعي اغلاقاَ تاماَ لمعظم الانشطة الحياتية. لكن الاثار الاقتصادية والاجتماعية ستكون كارثية وعميقة وطويلة الأثر. من جانب اخر، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار خصائص المجتمع الاردني، وعاداته الاجتماعية من جهة، وقدرة الجهاز الصحي على استيعاب تطور العدوى وتحولها الى وباء من جهة أخرى.
تتحدد مسارات الخروج من الأزمة بالعوامل التالية:
أ- طبيعة الحياة في المجتمع الأردني: من حيث تنوعه بين الريف والبادية والمدن غير المكتظة (مؤشر الازدحام المروري ليس انعكاس لاكتظاظ المدن).
ب- مستوى انتشار المرض الجغرافي: فهناك محافظات ومدن وقرى كثيرة لم تسجل فيها اصابات.
ت- مستوى النظافة والوعي الصحي وحياة العائلة الاردنية: تعتبر بمستوى جيد نسبيا مقارنة مع الدول الاخرى، وان كان مستوى الاختلاط العائلي اعلى من المعدل العام لدول أخرى.
ث- مساحة العمل وعدد العاملين في كل مؤسسة او شركة او دائرة حكومية: اذا تشكل المؤسسات الفردية والشركات قليلة العدد (المحلات التجارية، الحرفيين، وغيرها) الغالبية العددية في البلاد.
ج- مستوى الاحتكاك مع الجمهور: الكثير من القطاعات ذات احتكاك منخفض كحال قطاعات الصناعة والحرف.
ح- الحاجة للنقل العام: لازال النقل الخاص (السيارات الشخصية) يستحوذ على غالبية عمليات الانتقال لغايات العمل والحاجات الاخرى. وهي احد أسباب الازدحام المروري في المدن الكبيرة خاصة في أوقات الذروة.
خ- مدى الحاجة المعيشية والاقتصادية لهذا القطاع / العمل واعتماد القطاعات الاخرى عليه: فنجد ان قطاع الزراعة والثروة الحيوانية يشكل حاجة ملحة لإدامة حياة الناس، وتعطيله سيودي الى كارثة في الامن الغذائي، فلا يمكن تأجيل الانتاج فيه دون خسائر رأسمالية كبيرة. ويشكل القطاع الصحي أيضا حاجة ضرورة ملحة للعمل بكل طاقته.
د- تأثير قطاعات الخدمات الحيوية الاستراتيجية كالكهرباء والماء والطاقة والاتصالات والامن التي لا غنى عنها لاستمرار حياة الناس ومكافحة المرض وانتقال العدوى.
ذ- طبيعة القطاع ومقدار توفيره او تدويره للمال: فقطاع الادارة العامة في غالبه لا ينتج مالا، وغير قادر على احداث أثر لإيقاف تدوير المال، اذا توقف عن تقديم بعض الخدمات الادارية، ما دامت الرواتب مستمرة لموظفيه سواء كانوا عاملين او متوقفين. لكن يتم التمييز بينها على أساس حاجة المواطنين لها لتدوير عمليات البيع والشراء بينهم كما هو حال دائرة الاراضي وترخيص المركبات والجمارك مثلا، التي تعتبر مفاصل ضرورية لتدوير المال بين المواطنين.
واقع الحال ان الحكومة سمحت لبعض القطاعات أعلاه بالعمل بشكل كلي او جزئي كما هو الحال في قطاعات الخدمات الاستراتيجية والزراعة والصحة والامن وبعض الخدمات المتعلقة ببيع المواد الغذائية والصحية والخدمات المالية، وكان لا يمكن أن تستمر ادامة الحياة بالحد الادنى الا بذلك.
النتيجة الحتمية التي ينبغي أن تتجه الدولة لها هي وقف تشكل أزمات أخرى، اقتصادية واجتماعية وأمنية وصحية، لذا ينبغي أن تكون الأولوية بالعمل لإستئناف الحياة وإدامتها على العوامل السابقة أعلاه ضمن موازنات كلية اجمالية (Macro level) وليست تفصيلية جزئية (Micro level). مع تحمل هامش مخاطرة محدود، تحول دون تحول المرض الى وباء، ولا تمنع بقاءه بنسب متدنية مسيطر عليها بالحجر لأشخاص وتجمعات محدودة لينتهي بشكل طبيعي. مع مراعاة الضوابط الصحية المعمول بها حالياً ما أمكن، واستمرار الرقابة والمسائلة والحجر الصحي ان لزم واغلاق بعض المؤسسات مؤقتا ان ظهر فيها حالات اصابة أو عدوى. ويتم عملية تقييم كل مرحلة من المراحل التالية قبل الانتقال لمرحلة أخرى.
3- المناطق الجغرافية
أقترح أن يسمح لكافة المدن والقرى التي لم تظهر فيها اصابات مطلقا خلال الفترة السابقة بالعمل والانتاج بكافة اشكاله ضمن شروط ومعايير التجمعات والسلامة العامة والخاصة الواردة لاحقا في (البعد الاقتصادي) وبالفترة النهارية دون استئناف التعليم، ضمن الاطار الجغرافي المقيد الذي يحدده المحافظ ولجنة الاوبئة في المحافظة.
4- البعد الاقتصادي والتشغيلي
المرحلة الاولى: العمل المباشر والكلي
ينبغي البدء بفتح مجالات استئناف العمل كليا بالقطاعات التي تشكل ضرورة لإدامة حياة الناس أو قليلة الاختلاط وذلك بالتدرج قبل منتصف هذا الشهر ابريل، مع تحديد ضباط/ موظفي سلامة عامة لرقابة عمليات الوقاية في كل المؤسسات التي يزيد عدد العاملين فيها عن 20 شخصا، والسماح باستخدام السيارات الشخصية وتكسي الطلب وخدمات النقل الذكي:
أ- قطاع الزراعة والثروة الحيوانية: بكافة جوانبه بما فيها التزويد والنقل وبيع الجملة والمفرق من خلال تصاريح دائمة تتجاوز الالية المقيدة لهذا القطاع، اذ ان كثير منه غير مسجل بشكل كامل لدى مؤسسات الحكومة كمراقبة الشركات والزراعة، وهذا يسلتزم اعطاء المحافظين وممثليهم دروا مباشرا في ذلك، وتحمل بعض الأخطاء الطبيعية.
ب- قطاع تجارة المواد التموينية: ويشمل البقالة والسوبرماركت والمولات ويبقى العمل فيها ضمن الالية المتبعة حاليا.
ت- قطاع الخدمات اللوجستية كالماء والكهرباء والاتصالات والبنوك: بما فيها تقديم خدمات معتادة كالقروض الاعتيادية وتلك القروض التي اقرها البنك المركزي. مع تحديد ضباط/ موظفي سلامة عامة لرقابة عمليات الوقاية المطلوبة.
ث- قطاع الصناعة: بكل جوانبه مع تحديد ضباط/ موظفي سلامة عامة لرقابة عمليات الوقاية المطلوبة في كل المؤسسات التي يزيد عدد العاملين فيها عن 20 شخصا.
ج- قطاع الحرف: ويشمل مقدمي الخدمات اليدوية المباشرة كالنجارين والحدادين وعمال البناء والميكانيكك وتجارتها.
ح- قطاع الانشاءات: ويشمل شركات المقاولات والبناء والاسكان العاملة فعليا، وشركات الخدمات المساندة لها كمحلات مواد البناء ومعامل الطوب والحجر والمقالع وشركات الباطون وغيرها.
المرحلة الثانية: العمل الجزئي
يتم العمل في هذه المرحلة على ادامة العمل بشكل جزئي (بنسب تحدد بناء على توصيات الجهات الممثلة لها واصحاب القرار) في المجالات والقطاعات التالية/ ويبدأ العمل فيها بعد منتصف هذا الشهر ابريل وبحد اقصى قبل نهايته:
أ- دوائر الخدمات الحكومية: لإنجاز المعاملات المالية للمواطنين كالبلديات والاراضي وانتقال ملكية المركبات.
ب- نقل الركاب بواسطة السيارات الصغيرة ( السرفيس) بحد أقصى من الحمولة 4 أشخاص
ت- باصات النقل المتوسط والكبير بحد أقصى من الحمولة 60%.
ث- محلات بيع الأثاث والمعارض الكبيرة التي لا تشكل معروضاتها قطعا صغيرة يتم نقلها ومناولتها بسهولة.
المرحلة الثالثة: الرفع الكلي المقيد
وتكون في بداية الشهر القادم (5) ويمكن تأجيلها في بعض المناطق التي قد تشهد استمرارا في اكتشاف حالات المصابين:
أ- كافة أشكال التجارة والخدمات: باستثناء خدمات التقديم في المطاعم والمقاهي والترفيه وما في حكمها.
ب- كافة الدوائر والمؤسسات الحكومية الخدمية.
ت- كافة عمليات النقل بتحديد نسبة اشغال 80% للسيارات و 60% لوسائط النقل الجماعية.
المرحلة الرابعة: الرفع الكلي المطلق
وتكون في النصف الثاني من شهر (5) مع بقاء عمليات الرقابة على الاجراءات الصحية والسلامة العامة. والصلاحية بالحجر الصحي والاغلاق المقيد لبعض المناطق والمؤسسات التي تظهر فيها حالات اصابة. ويسمح فيها بالانتقال الحر بين المحافظات والمدن المختلفة ما عدا تلك المناطق المقيدة لاكتشاف حالات اصابة فيها خلال عشرة ايام سابقة.
5- البعد الاجتماعي والتعويض المالي
أ- تفعيل الضمان الاجتماعي لراتب بدل التعطل عن العمل للمؤسسات الخاصة التي توقفت أعمالها وبالمدة التي تضررت بها طيلة توقفها خاصة تلك التي يقل فيها عدد العاملين عن 10 موظفاً وذلك بالتنسيق مع مؤسساتهم.
ب- مساهمة الضمان الاجتماعي بنصف راتب بدل التعطل عن العمل للمؤسسات الخاصة التي توقفت أعمالها وبالمدة التي تضررت بها طيلة توقفها خاصة تلك التي التي يزيد فيها عدد العاملين عن 10 موظفاً وذلك بالتنسيق مع مؤسساتهم.
ت- اذا لم يكن الشخص مشمولا بالضمان الاجتماعي: اعطاء معونة مالية من: مؤسسة الضمان الاجتماعي والحكومة /اموال الضريبة (خدمات اجتماعية) ووزارة التنمية الاجتماعية وبالتنسيق فيما بينهم، لكل شخص توقف عمله بحد ادنى 200 دينار للأسرة من ثلاثة افراد وبزيادة 25 دينار لكل فرد شهريا طيلة فترة التوقف.
ث- تسهيل اجراءات الاقتراض من الحزمة المخصصة من البنك المركزي لكل المؤسسات التي تتأخر ممارسة أعمالها حسب أولويات التأخر في الترتيب الوارد في البعد الاقتصادي أعلاه.
ج- السماح للجمعيات الخيرية ولجان الزكاة بالعمل المباشر فورا دون تقييد الحركة والتنقل باليات محددة عبر تصاريح من وزارة الاوقاف والتنمية الاجتماعية.
ح- قيام البنك المركزي بإطلاق حزمة تمويلية جديدة للأفراد والشركات لا تقل عن 500 مليون دينار بشروط ميسرة لتنشيط عمليات الانفاق الرأسمالي وتعويض الخسائر السابقة.
خ- تأجيل دفع الضرائب المستحقة للحكومة على الاشخاص والمؤسسات والشركات الذين توقفت اعمالهم لأكثر من اسبوعين حتى نهاية العام.
6- البعد الصحي
أ- يستأنف القطاع الصحي عمله بكافة أشكاله ضمن حدود الجغرافيا في منتصف شهر 4
ب- يستأنف القطاع الصحي عمله بكافة أشكاله بشكل مفتوح في بداية شهر 5.
7- التعليم الجامعي (ما بعد الثانوي)
يستأنف التعليم الجامعي بكل أشكاله في بداية شهر أيار لكل الجامعات والمعاهد ويتم تمديد الفصل لمدة اسبوعين ويتم تأخير الفصل الصيفي لنفس المدة.
8- التعليم المدرسي
يستأنف التعليم المدرسي بكل أشكاله في منتصف شهر 5 ويتم تمديد الفصل لمدة شهر على حساب العطلة الصيفية، وكذلك امتحان التوجيهي.
9- السفر الخارجي
أ- تستأنف عمليات استقبال الاردنيين المقيمين في الخارج وخاصة الطلبة والذين توقفت الحياة العامة عندهم من منتصف شهر4، على ان يحجروا على حساب الحكومة، بأماكن خاصة لمدة خمسة أيام بعد قدومهم وفحصهم، ويحجر من لم تثبت اصابته لأسبوعين اضافيين منزليا مقابل تعهد خطي، ومتابعة بتطبيق الكتروني.
ب- ترفع القيود عن الدول ذات الاصابات المتدنية من منتصف شهر 5 على ان يحجروا على حسابهم بأماكن خاصة لمدة اسبوع بعد قدومهم وفحصهم، ويحجر من لن تثبت اصابته لأسبوعين اضافيين منزليا او فندقيا مقابل تعهد خطي، ومتابعة بتطبيق الكتروني.
ت- تبقى القيود على الدول ذات الاصابات المستمرة ذهابا وايابا لتدرس مستقبلا.
10- السياحة والترفيه
أ- تتم عملية تقييم استقبال السواح بالنصف الثاني من شهر حزيران.
ب- تعوض المنشاة السياحية بالنسبة للعاملين فيها بنفس الاليات المذكورة بالبعد الاجتماعي طيلة فترة توقفها. وتعطى قروض بفائدة / عائد صفر من حزمة البنك المركزي.
أخيرا لابد من تشكيل فريق لتوثيق الازمة والاجراءات التي تمت بكل تفصيلاتها وكافة الاخطاء ايضا ليستفاد منها لاحقا في اية ازمات.
والله من وراء القصد