
“أزمة كورونا”
(1) أبعادها وأثارها
د نبيل الكوفحي
اتسمت المشكلة التي أوجدها فايروس كورونا بالعالمية والشمولية والمباغتة، وارتفاع مستوى احتمالية العدوى، بالإضافة للخطورة النسبية، خاصة لكبار السن وأصحاب الخلل في بعض وظائف أجهزة الجسم.
اتسمت عملية التصدي لها في كثير من دول العالم: بالارتباك وضعف الجاهزية، والذهاب الى الخيارات القاسية بتقييد الحياة العامة والعلاقات الاجتماعية، وتعطيل عجلة الانتاج الاقتصادية، وزيادة في مستوى القلق والتوتر. تكشف أيضاَ نزوع غالب الدول نحو الفردية والانانية بسبب خوفها من التداعيات الكارثية. سأتناول في هذه الورقة اقتراحات للخروج من المشكلة (الازمة) على المدى القصير، واما المدى المتوسط والطويل فيحتاج لجهد بحثي أوسع.
تعرف الأزمة على أنها موقف عصيب يمكن أن يؤدي الى نتائج سيئة، وهي نقطة تحول نحو الاحسن أو الاسوأ. وفي وصف متعلق بالزمن: هي ظرف انتقالي يتسم بعدم التوازن، وبتعبير المخططين: حالة لا تناسب حركية بين الهدف والوسائل.
تقسم الازمة حسب أسبابها الى ثلاثة أنواع: (1) أزمة الهدف: حيث يتعاظم الهدف كماً و/ أو نوعاً بوتائر تفوق وتائر تعاظم الوسائل المتاحة, بحيث يصبح تحقيق الهدف المذكور تعجيزياً. (2) أزمة الوسيلة: وفيها تتناقص الوسائل كماً و/أو نوعاً بوتائر تزيد على وتائر تناقص الهدف المطلوب الى درجة يصبح فيها تحقيق الهدف المذكور تعجيزياً. (3) أزمة الهدف و الوسيلة: ويجتمع فيها تعاظم الهدف و تناقص الوسائل (كماً و/ أو نوعا)ً بوتائر متباينة الى درجة يصبح فيها تحقيق الهدف المذكور بالوسائل المتاحة تعجيزياً. عالمياً: حدثت في كثير من الدول أزمة هدف حيث عجزت الوسائل المتاحة (الامكانات الطبية) عن تحقيق الهدف الذي تعاظم لخدمة أعداد اكبر من المصابين المحتاجين للرعاية الصحية المكثفة او المركزة عن قدرات المتوفرة بوقت قصير وضاغط. واقع الحال اردنياً: لا يمكن أن يتصف واقع اصابات الكورونا بالأزمة، اذ أن الوقاية المبكرة حالت دون تحوله لأزمة، لكن التخوف من تحوله لأزمة جعلنا نعيش اجراءات اتسمت بتوسيع قاعدة المنع لعدم تزايد اعداد المصابين لدرجة يعجز النظام الصحي عن رعايتها وعلاجها.
الخطورة في الامر ان ازمة الهدف في كثير من الدول ستتحول لأزمة وسيلة بعد فترة من الزمن، ، حيث ستعجز الوسائل المتاحة عن استمرار وادامة الحياة كما كانت قبل جائحة كورونا، وربما تجتمع الأزمتان معاً ان طالت مدة التعافي. الدول الفقيرة التي تقوم موازناتها على الضرائب فقط ، ستنخفض قدراتها المالية عن المعتاد بنسب كبيرة بحيث تعجز عن ادامة رواتب موظفي القطاع العام وخدماتها المقدمة للمواطنين، بالإضافة لعجز القطاع الخاص عن ادامة عمله لأسباب تعطله مما سيؤدي الى اغلاق كثير من المؤسسات والشركات أيضا، واخفاض قدرات الافراد الشرائية بشكل كبير. في الدول الغنية التي تمتلك احتياطيات ولا تعاني من ديون خارجية، ستتأثر قدرات القطاع الخاص بشكل كبير خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشغل الغالبية العظمى من الايدي العاملة، مما سيؤدي الى خسارتها وتسريح كثير من العاملين فيها، وبالتالي انخفاض القوة الشرائية للأفراد في معظمها. لذا لجأت هذه الدول لتخفيض سعر الفائدة لدرجة الصفر وضخ اموال لمساعدة القطاع الخاص. قررت امريكا ضخ ما يقارب من 2.5 تريليون من الدولارات لمعالجة هذه الاثار على المدى القصير والمتوسط كمساعدات للأفراد والشركات، في اوروبا بلغ مجموع الضخ للدول الخمس الكبرى أيضا حوالي 2 تريلون دولار.
شكلت الأزمة (المتوقعة) صدمة للإدارة الحكومية فتعاملت معها بنسق متسارع، فكانت معظم القرارات المفصلية خلال عشرة أيام تقريباَ، وكانت القرارات تقوم على قاعدة المنع والتعطيل، دون النظر في المالات والأثار الإجتماعية والإقتصادية الناجمة عنها، مما جعل الجميع يعيش بحالة هلع وخوف غير متوازن.
نجحت الحكومة من خلال تلك الاجراءات بتضييق إنتشار الفايروس وتحوله لوباء محلي، وبقيت حالات الاصابة ناجمة عن قادمين من الخارج ومخالطيهم بشكل مباشر، ولم تتحول الى عدوى عامة نتيجة طبيعة التوزيع الجغرافي للسكان وقلة الاكتظاظ البشري في الحياة اليومية، كما هو الحال في المدن الكبرى ومحطات المترو والباصات والاسواق المغلقة، بالإضافة لانخفاض حركة السفر بشكل عام، وفي هذا الوقت تحديدا، إذ تشكل المطارات أكثر بؤر نقل العدوى في العالم.
جاءت ألازمة في ظل ركود اقتصادي وتباطؤ معدلات النمو، وفي فصل الشتاء الذي يتسم بانخفاض الانفاق الكلي، لذا تركت الأزمة قطاعات واسعة من المواطنين والمقيمين مكشوفي الظهر أمام توقف العمل في الغالبية العظمى من القطاعات، مما أحدث ضائقة مالية لدى غالبية العاملين بالقطاع الخاص، خاصة من فئة الحرفيين وعمال المياومة والمصالح التي تعتمد على البيع وتقديم الخدمات بشكل مباشر.
أحدثت الأزمة زيادة في المتعطلين عن العمل (لا دخل لهم)، مما تسبب بمشكلة إدامة حياة نسبة كبيرة من المواطنين. تصرف المجتمع بروحية تكافل جيدة، فبادر الكثيرون من الأفراد والجمعيات بسد الثغرات التي ظهرت، لكنها غير قادرة على الاستمرار بسبب اعتمادها على “الفزعة المؤقتة” فعامل الحماسة والايثار لن يستمرا طويلا، وعلى المتبرعين وغالبهم من القطاع الخاص الذين توقفت مصادر إنتاجهم ودخلهم أيضأ.
و حتى لا ندخل في أزمة من النوع الثاني (أزمة وسيلة)، خاصة في ظل عدم قدرة الحكومة على ضخ اموال في السوق على شكل مساعدات لإنقاذ الافراد ممن لا يعملون في شركات القطاع الخاص، والمؤسسات والشركات الصغيرة، فلا بد من تقصير مدة تعطيل القطاع الخاص المنتج والقطاع العام المصاحب له. اذ اننا بفضل الله واجراءات استباقية وتعاون المواطنين استطعنا تجنب حصول وباء للكورونا، مما جنبنا الوقوع في ازمة الهدف، فبقي الانتشار من أدنى المعدلات العالمية، ولا زال القطاع الصحي يعمل بمستوى طبيعي دون طاقته.