ترجمة: هاشم التل …
في العقود القليلة الماضية, أصبح من الشائع سماع شكاوى أعضاء النخبة الأشكيناز في إسرائيل (مجموعة علمانية تشكل التيار الرئيسي للصهيونية) أن معالم بلدهم لم يعد يمكن التعرف عليها, نظراً للنفوذ المتزايد لليهودية الأرثوذكسية وظهور الصهيونية المتعصبة.
أحفاد مؤسسي إسرائيل اليهودية الأوروبية العلمانية يخشون التهميش في دولة يفترض أن تمثلهم -غالبية يهودية من السكان, تتبنى نمط الثقافة الأوروبية, العلمانية في مسائل الدين, والصهيونية بوصفها عقيدة وطنية.
لو قدّر لهم استعادة زمام المبادرة مرة أخرى, والحفاظ على أعضاء هذه النخبة, ستكون إسرائيل دولة ديمقراطية علمانية على النمط الغربي, كما يعتقدون, ويمكن أن تضمن حقوق اليهود المتدينين وتمتنع عن التمييز ضد المواطنين العرب, والتوصل إلى سلام عادل مع الفلسطينيين.
مثل هذا الخط من التفكير الغربي الانتقائي يزداد منظروه. النسخة الأمريكية من هذا المنطق, هي, الآن, بين يدينا, على هيئة كتاب بعنوان أزمة الصهيونية للكاتب بيتر بينارت, وهو توسعة لمقالته المنشورة في ,2010 التي حملت عنوان فشل اليهودية الأمريكية.
يأسف بينارت, الكاتب السياسي رفيع المستوى في صحيفة الدالي بيست, ومؤلف كتابين سابقين, لضيق أفق النظرة, التي تتبناها المنظمات اليهودية الامريكية الرئيسية حيال إسرائيل, ويدعي أنها لا تمثل معظم الامريكيين اليهود.
ويكتب: في صميم المأساة, يكمن رفض القبول اننا لا نعيش في عصر ضعف اليهود في كل من أمريكا و(إسرائيل), لكن في أوج القوة اليهودية, وأنه من دون اليقظة الأخلاقية, سوف يسيء اليهود استخدام القوة بشكل فظيع مثل أي شخص آخر.
يتحدث بينارت ببلاغة عن معاناة الفلسطينيين على يد إسرائيل, التي يدعي أنها تهدد الديمقراطية الإسرائيلية. بالتأكيد, فإن على المرء ان يتساءل كم من الوقت يجب أن تحكم إسرائيل الفلسطينيين من أجل أن يقول بينارت أن الاحتلال يدمر – بدلاً من مجرد يهدد – ديمقراطيتها. لكن الكاتب الصهيوني الملتزم والمقرب من إسرائيل, لا يكتفي بهذا الطرح, بل يدعو اليهود الأمريكيين إلى مقاطعة المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية ومنتجاتها, مؤكداً في الأثناء دعمه لاستمرار وجود إسرائيل كدولة يهودية, مكرراً تحذيرات الآخرين من أنه: إذا استمر احتلال إسرائيل للضفة الغربية دون منح الجنسية لسكانها الفلسطينيين, ستبقى دولة يهودية, لكنها أيضاً دولة فصل عنصري.
من وجهة نظر المؤلف, بدأت المشكلة في أعقاب الحرب العربية-الإسرائيلية عام .1967 إذ لوحظ أن انتصار إسرائيل على العرب قد زاد من عداء اليسار لها, ونظراً لقناعة بعض الناشطين اليهود الأمريكيين المتولدة بأن بعض التعاطف المتبقي مع إسرائيل ينبع من المحرقة, قررت هذه النخب نقل نطاق تركيزها من العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية إلى الدفاع عن إسرائيل واستغلال المأساة اليهودية. وتم توجيه اللجنة اليهودية الأمريكية تبعاً للرؤية الجديدة, واكتسبت منظمة مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية – المخصصة فقط لتعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل- مكانة بارزة.
يستهجن بينارت هذا الاتجاه الصاعد, ويجادل أن هذا الاتجاه أفرغ الليبرالية التي تبناها الرئيس أوباما تجاه إسرائيل والفلسطينيين من محتواها. وهو يحث اليهود الامريكيين الليبراليين على تعميق التزامهم بيهودية أكثر عدالة مرتبطة بتراثها. وفي رأيه, هذا الالتزام سوف يربط الصهيونية وإسرائيل مع مفهوم العدالة الاجتماعية. خلاف ذلك, كلما استمر الانجراف بعيداً في هذا الطريق, سوف تزداد سيطرة الصهيونية الأمريكية أكثر على اليهود الأرثوذكس والمسيحيين الإنجيليين: مجموعات من غير المرجح أن لا تعنى بفكرة أن تميز إسرائيل نابع من الإخلاص للمثل الديمقراطية الليبرالية.
يمتلك الكاتب وجهة نظر, لكنه يبقي أحد الليبراليين الذين يفشلون في تحديد موقفهم من الظواهر الناشئة. نما شعور مؤسسي إسرائيل اليهودية الأوروبية بالقلق مع تدفق اليهود الشرقيين من البلدان العربية والإسلامية في العقود التي أعقبت إنشاء إسرائيل في .1948 ومارسوا التمييز ضد هؤلاء المهاجرين وبذلوا قصارى جهدهم لمنعهم من التعبير السياسي عن خصوصياتهم الثقافية.
في نهاية المطاف, انكفأ العديد من اليهود من أصول شرق أوسطية أو شمال أفريقيا إلى الداخل, ووجدوا الملجأ بالانضمام إلى حزب سياسي-ديني صغير يسمى حزب شاس, الذي اسس في عام .1984 المحافظ ثقافيا منذ البداية, الذي أظهر في بداياته بوادر مرونة فيما يتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي, ومع مرور الوقت تصلبت مواقفه. نتيجة لذلك, أخذت النخبة الاشكنازية تلقي اللوم على اليهود الشرقيين لعرقلة جهود السلام, مدعية أن احتفاظ اليهود الشرقيين ببقايا الذكريات من سوء المعاملة على أيدي العرب, يدفعهم للاسترشاد بقرابة عاطفية غير مبررة عندما يقاربون الصراع العربي-الإسرائيلي.
خلافا لنظرائهم في إسرائيل, لم تستلم النخبة اليهودية الليبرالية في أمريكا قيادة دفة البلاد, كما أنها لم تمارس التمييز ضد أي شخص. لكن كان ينبغي على بينارت نقد موقفهم تجاه اليهودية الأرثوذكسية, التي على مدى عقود نُظر إليها بوصفها طائفة على وشك الانقراض, تلك اللامبالاة لا مكان لها في ساحة سياسية يهودية أمريكية متغيرة. وبدلاً من تجاهل الأرثوذكس, ينبغي على اليهود الليبرالين المبادرة الى مساعدتهم على الخروج من نزعتهم الطائفية.
العرب اليوم
المصدر: كريستشين ساينس مونيتور
أ.ر

