
أرض العزة… الأردن لا ينكسر..
منى الغبين
الأوطان لا تقاس بالمساحات الجغرافية بل بثقلها بالمواقف.. الأردن من النوع الثاني.
لم يكن هذا الوطن يوما مجرد قطعة جغرافيا عالقة بين صراعات الإقليم.. بل كان دائما بيتا واسعا لأبنائه.. ولكل من أصبح جزءا من نسيجه الوطني…
منذ نكبة عام 1948 حين امتزج الدم الأردني والفلسطيني في معركة واحدة.. ثم بعد حرب 1967 حين تعمقت وحدة المصير بين ضفتي النهر.. تشكلت روح واحدة بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ والكرامة.. لم تكن القصة قصة لجوء بقدر ما كانت قصة مصير إنساني واحد..
هذه الأرض.. أرض العزة والشموخ.. ظلت تفتح أبوابها لكل من دفعته الحروب إلى البحث عن الأمان.. احتضنت الأشقاء العراقيين بعد عام 2003 ووقفت إلى جانب الأشقاء السوريين منذ عام 2011…
لم يسأل الأردني يوما عن هوية القادم قبل أن يفتح له الباب.. ولم يزن معاناة الناس بميزان السياسة..
الأردن لم يصنع سمعته ومجده بالشعارات.. بل بالحكمة والصبر.. وفي كل مرة حاولت الفوضى أن تقترب من أبوابه.. كانت يقظة الدولة ومؤسساتها حاضرة.. هناك معارك كثيرة خيضت بصمت.. محاولات إرهابية أُحبطت وخلايا سعت لبث الفتنة تم كشفها وحملات تضليل إلكترونية حاولت ضرب الثقة بين المواطن ودولته تم تفكيكها بفضل حكمة ويقظة المؤسسات الأمنية وحسن تدبيرهم…
ولعل ذاكرة الأردنيين ما تزال تستحضر تلك الليلة القاسية في تشرين الثاني عام 2005، حين ضرب الإرهاب قلب عمان في تفجيرات الفنادق الشهيرة… كانت لحظة صادمة لكل بيت أردني لكنها كشفت في الوقت نفسه عن قوة المجتمع وتماسك الدولة… خلال أيام قليلة تمكنت الأجهزة الأمنية من ملاحقة الخلية الإرهابية وكشفت تفاصيلها لتثبت أن هذا الوطن القوي لا يترك أمنه فريسة للفوضى..
وفي السنوات الأخيرة أعلنت الأجهزة الأمنية أكثر من مرة إحباط مخططات كانت تستهدف إثارة الفوضى أو استغلال اضطراب الإقليم… خلايا حاولت العبث بأمن المجتمع تم كشفها قبل أن تتحول إلى خطر حقيقي… كثير من التفاصيل لا تعلن لكن النتيجة التي يعيشها الأردني كل يوم واضحة وطن استطاع أن يبقى مستقرا رغم أن العواصف تضرب المنطقة من حوله…
وفي قلب هذه المعادلة يقف الجيش العربي الأردني المصطفوي جيش لم يكن في يوم من الأيام مجرد مؤسسة عسكرية،، بل ذاكرة وطن كاملة…
جيش كتب صفحات مجد تاريخه بدم رجاله الاوفياء.. منذ أن وقف على أسوار القدس.. إلى يوم الكرامة عام 1968 حين أثبت الجندي الأردني أن الإرادة يمكن أن تكسر أسطورة الجيش الذي لا يقهر… لم تكن الكرامة مجرد معركة عسكرية.. بل لحظة وعي وطني أعادت الثقة لأمة كاملة بعد انكسار حزيران ورسخت في الوجدان أن هذه الأرض تعرف كيف تدافع عن نفسها وتدافع عن كرامتها وكرامة شعبها…
اليوم لم تعد الحروب تدار فقط بالدبابات والطائرات.. بل بالاعلام … نحن في زمن الحرب السيبرانية.. حيث يمكن لشائعة صغيرة أن تفعل ما لا تفعله المدافع.. ولعلنا جميعا نتذكر كيف يمكن لشائعة أن تربك الشارع في ساعات قليلة… قبل سنوات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي شائعة تتحدث عن أزمة في الوقود.. فتدفقت السيارات إلى محطات البنزين في مشهد من القلق قبل أن يتبين أن الخبر بدأ من حساب مجهول وانتشر بلا تحقق… كانت تلك الحادثة مثالا واضحا على أن الشائعة في زمن الإعلام الرقمي قد تتحرك أسرع من الحقيقة نفسها…
هنا تصبح الكلمة مسؤولية ويصبح الإعلام جزءا من أمن الدولة لا مجرد مهنة.. المرحلة التي نعيشها تتطلب قدرا أكبر من الوعي الوطني في الخطاب الإعلامي.. نحن لا نحتاج إعلاما يثير الانفعال ولا للمزايدات ..بل إعلاما يرسخ الوعي… من هنا تبرز أهمية أن تتشكل جبهة إعلامية أردنية واعية وموحدة في القضايا الحساسة.. ليس لتكميم الأفواه كما يروج البعض.. بل لتنسيق الرسالة الوطنية في زمن تتكاثر فيه الشائعات وتشتد فيه معارك التضليل…
الإعلام الحر لا يعني الإعلام المنفلت.. كما أن الوطنية لا تعني الصراخ العالي…
الوطنية مسؤولية.. قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) هذه الآية قاعدة أخلاقية للإعلام والوعي العام، ليس توجيها دينيا فقط…
الوطنية ليست صراخا خلف الشاشات.. الوطنية تشبه وقوف الجندي على الحدود في ليلة باردة.. دون كاميرات ودون تصفيق… ومن احتمى بهذه الأرض يوما وتفيأ ظلها عليه أن يحترمها… الأردن ليس ساحة لتصفية الحسابات.. وليس منصة لتجارب عبثية..
هذا بلد احتوى الجميع.. ومن حقه على الجميع أن يصان أمنه واستقراره…
نحن كشعب نقف مع وطننا ومع قيادتنا ومع جيشنا العربي.. ومع مؤسساتنا الأمنية التي تعمل بصمت ليل نهار لحماية هذا الاستقرار… ليس لأننا لا نرى التحديات.. بل لأننا نعرف حجم العواصف التي تضرب المنطقة من حولنا… ندرك أن الضغوط الإقليمية كبيرة.. وأن المنطقة كلها تعيش توترات مخيفة..
لكننا نرفض أن نساق خلف التحريض أو المزايدات…
المعركة اليوم معركة وعي.. والانتصار فيها يبدأ بمواطن يعرف قيمة الكلمة.. وإعلام يدرك خطورة المرحلة.. ودولة يقظة تحرس الاستقرار… أما الشائعات فهي أخطر حين يرددها أصحاب الأجندات أو دون وعي.. لأن الكلمة حين تستخدم بلا ضمير تتحول إلى أداة هدم…
الأردن سيبقى.. كما كان دائما بر الأمان في منطقة تمتلئ بالفوضى.. سيبقى الأردن لأن وعي أبنائه وتماسكهم هو حصنه الحقيقي…
حمى الله الأردن قيادة وأرضا وشعبا..وحفظ جيشه العربي الباسل.. وأبقى هذا الوطن بيتا آمنا لكل من عرف قيمته.



