يوسف الحسن يبحث عن القدس في الزمن الضائع

يوسف الحسن يبحث عن القدس في الزمن الضائع
تاج الدين عبد الحق

يجمع الدكتور يوسف الحسن في كتابه الجديد ( القدس في زمن ضائع ) والصادر عن منشورات القاسمي بالشارقة العام 2019 أكثر من ميزة، تجعله كتابا جذابا، حتى للقارئ المتعجل، والعادي غير المتخصص .

فالكتاب يأتي في وقت تتصدر فيه القدس عناوين الأخبار، واهتمامات الناس الذين لم يخطر على بال الكثيرين منهم، أن تصل الحال بالمدينة المقدسة إلى ما وصلت إليه من تهويد على الأرض، وتزييف للتاريخ، فيما يحظى المحتل بهذه الدرجة من الدعم والمساندة، خاصة بعد اعتراف الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، الذي كان تمهيدا لما عرف بصفقة القرن التي تصفي البقية الباقية من فلسطين التاريخية .

الكتاب الذي يقع في أقل من 150 صفحة من القطع الصغير، يجمع بين عمق الفكرة وسلاسة الأسلوب . بين البحث التاريخي، والاهتمام الشخصي . وبين رؤية المفكر الدارس، وشغف الراصد الإعلامي، والمتابع المهتم .

في خلفية القراءة الأولى للكتاب ستبرز في ثنايا الصفحات، السنوات التي انشغل بها الكاتب باحثا ودارسا، ومؤرخا، للعلاقة بين الحركة الصهيونية اليهودية والقوى اليمينية الأصولية في الولايات المتحدة، المعروفة بالحركة الإنجيلية المحافظة، والتي شكلت، وعلى أساس مفاهيم وأساطير دينية ،رصدَها المؤلف في رسالته لنيل درجة الدكتوراه، رأس حربة للدعم الأمريكي المتواصل لإسرائيل منذ قيامها وحتى الآن، . لكن هذه الخلفية البحثية التي نراها في أكثر من مكان في فصول الكتاب لا تثقل على القارئ الذي يظل مشدودا لقراءة المحتوى كما لو أنه يقرأ مقالا صحفيا، يتسم بلغة سردية قصصية رشيقة، تمسك بتلابيب القارئ وهو يتنقل بين معلومات تاريخية كثيرة، وتجارب شخصية ثرية .

وبأمانة الباحث، ورزانة المفكر، فإن الدكتور يوسف الحسن لا يناقش فقط ، قضية القدس من خلال الدور الصهيوني في تهويدها وتشريد أهلها، أو من خلال الدعم الغربي المتواصل للاحتلال، بل يرصد ذلك أيضا، من خلال العديد من الأدوار العربية والإسلامية التي ساهمت على نحو أو آخر بضياع المدينة المقدسة، أو شوّهت الحق العربي والإسلامي فيها بما في ذلك ما تعرضت له من إنكار لعروبتها وتشويه لقدسيتها على يد بعض الساسة والمفكرين العرب، وصولا إلى من أطلق عليهم المؤلف ،المطبعون الجدد، أصحاب (ثقافة بوس الواوا ، وورثة ثقافة السح الدح أمبو)، الذين لا يتورعون عن معانقة لصوص وقتلة من الإسرائيليين ويحلون عليهم ضيوفا في منازل مسروقة من الفلسطينيين .

ورغم ما في محتويات الكتاب من معلومات وتاريخ وحوادث تثير الإحباط والعجز، فإن الكاتب لا يفقد الأمل ويقدم في صفحاتة الأخيرة، وصفة الخبير المثقف، لمقاومة ناضجة وصادقة تسعى للوصول إلى الحق والحقيقة، وتعمل على مقاومة ثقافة الشغف بالسلطة التي سادت عند العديد من النخب السياسية العربية ، بالإضافة إلى مقاومة ثقافة الفساد المدنية والظلامية في الخطاب الديني وتعزيز ثقافة التسامح والمواطنة ومقاومة النفخ في غرائز الهويات الطائفية .

كتاب الدكتور يوسف الحسن من نوع السهل الممتنع، ففيه جدية الباحث المتعمق في تاريخ المدينة المقدسة، وفيه أيضا براعة السرد التي تجعل من الكتاب أشبه بسيرة تاريخية لمدينة، لا نزال نعيش فصولها ونتعامل معها كجزء من همومنا اليومية وتطلعاتنا المستقبلية .

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق