يا درعا أنا أنزف

حوران ، رغيف الشرق ..واهراء روما القديمة..بلد الأسود في اللغة السبئية وبلد الكهوف عند الآراميين ..حنّاء الأرض عندما تكرمها السماء ، وحناء المجد عندما تخضبّها الدماء… حوران ، لم تبخل يوماً في تاريخها بالقمح أو بالرجال ..في الحرب العالمية الأولى كانت يصفر القطار العثماني حاملاً الجنود العرب من أبناء الفلاّحين الى القدس…ويعود ليحمل الحنطة من درعا والرمثا الى اسطنبول وألمانيا..كانت تطعم ألمانيا وتركيا قمحنا..وتطعم العروبة والكرامة لحمنا..فمنجلها شوكة في حلق الغرب، وهلال عيد في أحداق لشرق…
درعا هذه الأيام تنزف..وأنا أنزف ايضاَ، لأنها خالتي وتوأم أمي (الرمثا) ، درعا زينة الطوق ، وشفة الشوق، هي رائحة أبي المتعب، وسمرة الحصادين العائدين عند المغيب ، هي سيجارة الهيشي، وسروال الكلمنظة ، وشنبر أمي ، وحكايا ألعكّوب والدنيدلة والدريهمة هي فردوس ذاكرتنا، هي رمثا حقيقية بكل تفاصيلها بحواريها، بلباسها ،بلهجتها ، بأغانيها، ببيوتها، بسطوح منازلها ، بمطربيها ، بدبّيكتها بتهريبها للخوف والحزن ، بكل شيء … كان اذا ما سُمع صوت مجوزأو شبابة في المزيريب هرع اليه شباب الرمثا لينصروا عرس الجيران هناك ..واذا ما نجح عضو بلدي في الرمثا..هرع اليهم اهل درعا لينصروهم هنا، كانوا العونة وكنّا السند…
في ليالي الشتاء ، اذا ما نفد الشاي من بيت أحد الرماثنة كان يرسل ابنه أو قطروزه ليحضر من درعا الشاي ويعود ..واذا ما احتاجذرعاوي جالون مازوت سار مشياً على الاقدام الينا ليملأ وعاءه وعاد الى عياله…حتى هذه الأيام شيء لم يتغير ، قبل شهور كنت اقف أمام احد المطاعم..وشوش العامل معلّمهان المخلل نفد..طلب المعلم من الزبائن انتظاره خمس دقائق ليحضر مخلل من درعا ويعود…أبداً لم تكن ولن تكون الحدود عائقاً بين الحوارنة…الأقدام تمسح الحدود..وتمسح خيط و خيبة الاستعمار…
nbsp;أول أمس وأنا أشاهد تقرير على الجزيرة عن مصادمات في درعا..سمعت أحد ألأشقاء الذراعنة يقول لزميله: (لكن هسع أكلت حجر..!! يا زلمة معليش كله فدا الوطن!!).. أقول للشقيق الحوراني…الحجَر الذي أصابك يا ابن الأرض..اوجعني…قبل أن يوجعك…لكن لا تقلق يا خالي .. درعا يا خالي ..ولودة الرجال والسنابل..لا يرهبها في الحق قسوة الرحى، أو حدّة المناجل…

www.sawaleif.com
ahmedalzoubi@hotmail.com

اظهر المزيد

اترك رداً

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق