زيت الاستصباح / د . ديمة طهبوب

زيت الاستصباح
ليس دعاية لاسم زيت قلي يساهم بمواصفاته في تحسين الصحة وتخفيف الكوليسترول، ولا هو زيت تجميلي لإطفاء الألق على الوجه والبشرة والشعر! وان كان كفيلا بتحقيق كل ذلك: صحة معنوية ومادية، ظاهرة وباطنة، كيف لا وهي مضمونة في حديث المصطفى لزوجته ميمونة التي كانت من التوق بمكان ومن انفتاح البصيرة بمكان لتجعل نذرها، نذر النصر، عند فتح مكة أن تصلي في الأقصى ادراكا لتلك العلاقة التوأمية بين المسجدين والقبلتين، واستجلابا لكل الفضائل والحسنات والبركات الموجودة في المكان، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بنذرها قائلة « يا رسول اني جعلت على نفسي ان فتح الله عليك مكة ان اصلي في بيت المقدس فقال لها رسول الله :لا تستطيعين يحول بينك وبينه الروم، فابعثي بزيت يستصبح لك فيه، فكانت تبعث كل سنة وأوصت بذلك بعد وفاتها».
وفي الحديث آفاق عديدة ودروس عظيمة وهي أن زوجة المصطفى وهي امرأة كان يشغلها أمر بيت المقدس، بالرغم أن مكة ما زالت أسيرة عند الكفار، ولكنها جعلت مع هذه القبلة والأشواق اليها أولوية أخرى تفكر فيها ملازمة مع تفكيرها في إقامة الاسلام في مكة، وهي القدس ودرته المسجد الأقصى، وفي ذلك درس لمن بعدها ان الهم بقضية من قضايا المسلمين في وطن ما مهما كان جليلا لا يجب ان يحيد بأنظار المسلمين وقلوبهم عن القدس والأقصى، وأن كل أرض نكون عليها يجب ان تكون مددا وعونا وجسرا وطريقا الى الاقصى؛ لذا كان حلمها ووجهتها بمجرد فتح مكة الى القدس، وقد فهم عمر بن الخطاب درسا مثل هذا فخرج من ارض الحرمين الى بيت المقدس، ودخل الاقصى وسجد هاتفا لبيك في توطيد للآصرة بين مكة والقدس ووصل للايمان والعقيدة والشعائر بينهما.
ثم ان علاقتها بالاقصى لم تكن مجرد وعد على التراخي فقد قالت «جعلت على نفسي» بل هو كالنذر وهو من أعلى درجات الالتزام واجب الوفاء والتحقيق.
ثم هناك الدرس واللطيفة النبوية «يستصبح لك فيه»وكأن صباحها لا يطلع الا اذا أُسرج الاقصى وأنار ثم ان الصبح عائد لها والنور سيغمرها ويحل عليها، وليس فقط على المسجد وهذه تجليات البركة الالهية تصل الى الشخص ولا تقتصر على المكان، فمن طلبها وجدها ومن سعى اليها بلغته ولو كان بينهم مسافات طويلة؛ فالزيت المبعوث الى الاقصى سيضيء صباح ميمونة في المدينة، فالله واضع البركة في الاقصى هو سبحانه نور السماوات والأرض يسبغه أينما شاء وكيفما شاء لا يحده زمان ولا مكان، ومن أوصل نور صباح الأقصى الى ميمونة في المدينة يوصله لكل ميمونة من بعدها في كل بقاع الأرض.
لم تصل ميمونة بجسدها برغم نذرها، فقد حال الروم بينها وبين الاقصى ولكنها وصلت بروحها وأشواقها ودعمها وأثرها من بعدها، فكيف تصل ميمونات اليوم من بعدها وقد حال الصهاينة بينهن وبين وجهتهن؟
أرادت أن تصله بعد الفتح لتصلي فيه لا لتزوره وترى جماله، فالمحرر الفاتح غير الزائر السائح!
والدرس الأخير لهذه الأم العظيمة صاحبة النذر العظيم هو أن المشاريع العظيمة لا يحدها عمر طويل أو قصير؛ فمن كرم الله على عباده أنه أعطاهم استمرارية وآثارا تبقى من بعدهم في كل عمل صالح، وهذا ما أيقنته أمنا الميمونة، فأوصت أن يصل الزيت من بعدها الى محطته المعهودة، لم ترد أن ينفك وثاقها بالاقصى برحيلها عن الدنيا، فلعلها وقد أرادت زيت الاستصباح في دنياها حرصت عليه أكثر لينير قبرها في تلك المحطة من آخرتها.
عظيمة هي المرأة صاحبة المشروع، وعظيم هو ذلك الرجل الذي يساندها ويفتح لها آفاقا لتحقيق طموحاتها كما فعل المصطفى مع ميمونته، وميمونة وميمون من يقوم بالأمانة من بعدهما فيحرص على شراء زيت يستصبح له فيه في الدنيا والآخرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى