(وصفـــــي) أجدَبَت بعدَك مِـن الرِّجال أكثر مِـن سنوات يُوسف

(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وصفـــــي)
أجدَبَــت بعــدَك مِـن الرِّجــال أكثــر مِـن سنــوات يُوســـف
بقلم: الأستـاذ عبد الكريـم فضلـو عقـاب العـزام

في كُــلّ عــام يستذكِــرُ الأردن والأردنيــون ذكــرى الشهيــد المرحــوم (وصفـي التـل)؛ هــذا الرجــل الـذي ما زال ذكــره خالــداً في كـل بقعـةٍ مـن ثــرى فلسطيــن، عندما كــان فيهـا مُناضِلاً ومُدافعاً يُشـارك إخوانـه المجاهديـن معاركهــم ضِــد اليهــود والإنجليـــز.
كان المقاتل الذي لا تلين له قناه، لأنه المؤمن بعدالة قضيته، المعتز بعروبته وتاريخه ، المحافظ على شرف كوفيته وعقاله، الرجل الذي تربى على أن بلاد العرب كلها وطن له من الشام لبغداد ومن نجد الى يمن ومن مصر لتطوان.
وصفي الذي عاش ومات وهو يحمل هموم القضية التي أمن بها (قضية فلسطين) هو وصفي نفسه الذي أعطى الأردن ذوب قلبه وروحه، فكان دائما الجندي المقاتل، والموظف الصادق الأمين المنتمي، والمزارع الذي يفلح الأرض ويرويها من عرقه لتزهر ورداً وعنبراً.
إنه وصفي الذي كان يعتبر كل بيت في الإردن هو أهله، وكل مدينة وقرية وبادية ومخيم هو عشيرته وعزوته.
إنه وصفي الذي كان لا يترك مناسبة في كل أرجاء الوطن إلا وكنت تجده يشارك إخوانه أفراحهم وأتراحهم ، وعندما يهرع الناس لاستقباله استقبال رئيس الوزراء يخاطبهم وبالحرف الواحد “شوفوا غيري رحبوا بهم ضيوفا أنا معزب هنا وصاحب دار “.
إنه وصفي الذي كان له يوما في كل أسبوع يستقبل به كل صاحب حاجه مهما كثر عددهم يجلس معهم ويصغي لهم ويحل مشاكلهم فتراه بينهم لا تميزه عنهم إلا بتواضعه الجم وانحنائه أمامهم مستمعا يداوي جراحهم ويجفف دموعهم.
إنه وصفي الذي لم تعمِ عيونه المناصب , ولم يخالطه الكِبر، فبقي في كل جلساته يذكر طفولته على سفوح تل اربد، وأيام الربيع على جبال اربد وأوديتها، ويعتز بما قدم ويقدم للأردن والاردنيين، من غير انتظار لشكر من أحد.
إنه وصفي الذي عاش ومات لا يطلب من عرض الدنيا إلا ما يكفيه ويكفي أهله وبيته، فقد أوصل الهاتف إلى بيته بعد أن دفع رسومه بالتقسيط لضيق ذات اليد، وزهقت رُوحه رَحِمه الله، وعليه ما عليه من الديون.
إنه وصفي الذي تصدى لكل تناقضات العرب ودسائسهم لبعضهم البعض، وضحَّى بِرُوحِـه حتى يظـل الأردن وطنا يجمع كل الأحرار، المخلصين لقضية فلسطين، الصادقين في القول والعمل.
في ذكراك هذه الأيام ترتسم صورتك يا وصفي على أحداق كل من عرفوك أو قرأوا عنك فيبكون على فراقك، ويحزنون لظلم الزمن الذي بخل عليهم بتكرار أمثالك.
هل عجزت الأردنيات أن يلدن مثلك يا وصفي؟
كان الأردن في زمنك لا يتجاوز المليونين، ولكن ظهرتَ فيه أنت، كما ظهر هزاع، قامات خالدة، ومعالم ينحني لها التاريخ.
أما اليوم فالأردن تجاوز العشرة ملايين نقرأ ونسمع ونرى فلا نجد مثلك أو من يشابهك فالذين وصلوا إلى ما وصلت إليه من المناصب نراهم اليوم ينعمون بالملايين، وبالسيارات الفارهة، وبالحراس والحجاب الذين يمنعون الناس عن رؤيتهم أو اللقاء بهم، فلا نراهم إلا على شاشات التلفاز، كما أنهم مشغولون بمعاملات التوريث لمن بعدهم من أبنائهم ليؤمنوا لهم المناصب والمال.
إنهم يا وصفي شُغِلُوا بالدنيا فخرجت المبادئ من قلوبهم وعقولهم واستقرت على ألسنتهم فنجدهم الأكثر حديثا عن الولاء والأنتماء والشفافية، والطهارة والصدق والأمانة ولكن فعلهم غير ما تنطق به ألسنتهم وقد صدق فيهم قول الشاعر :
إذا اشتبهت دموعٌ في خدود…………….. تبيَّن من بكى مِمَّن تباكى
فأمَّا من بكى فيذوبُ شوقاً………………وينطق بالهوى من قد تباكى

نعـــم:
إنَّنـا حزانى من هــذا الجــدب وقلَّــة الرجال الرجال في هذا الزمان، لقد طال الجدب وطال زمنه، ففي أيام يوسف كان الجدب لسبع سنين، فهل سنوات الجدب اليوم لها نهاية ؟
إننا اليوم ليس لنا إلا الدعاء أن يرزقنا الله من أصحاب المبادئ، الذين يؤمنون بالله وبالوطن قولاً وفعلاً ويثبتون على ذلك، وأن يكونوا أردنيي الهوى يعشقون الوطن أرضه وسماءه وحتى شوكه و حنظله وبِـــلَّانَــه.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق