الاصابات
662٬395
الوفيات
7٬708
قيد العلاج
66٬334
الحالات الحرجة
729
عدد المتعافين
588٬353

وحمله وفصاله ثلاثون شهرا

وحمله وفصاله ثلاثون شهرا

الدكتور منصور أبوشريعة العبادي \ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

لقد كان لقوله عز من قائل “وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا” في سورة الأحقاف الأثر الأكبر في درء االطعن في أعراض النساء أو تطليقهن أو حتى قتلهن  بتهمة الزنى بسبب الإعتقاد السائد أن مدة حمل المرأة لا بد وأن تكون تسعة أشهر تزيد أو تنقص قليلا. ولطالما تساءل البعض عن السبب الذي جعل القرآن الكريم يحدد مدة الرضاع بعامين ولم يحدد مدة الحمل بشكل صريح ولكن جمعها مع مدة الرضاع لتكون ثلاثين شهرا. ولو كان القرآن الكريم من تأليف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لقام بتحديد مدة الحمل المعروفة لدى جميع البشر وهي تسعة أشهر وترك تحديد مدة الرضاع التي لم يحددها البشر إلا  في هذا العصر من قبل منظمة الصحة العالمية. ولكن هذه الآية تؤكد على أن من أنزلها مشرع لا حدود لعلمه وحكمته سبحانه وتعالى يعلم تمام العلم أنه لو تم تحديد مدة الحمل بتسعة أشهر لترتب على ذلك مشاكل لا حصر لها بين الأزواج. وتتجلى حكمة المشرع سبحانه وتعالى في أنه قام بتحديد مدة الرضاع وذلك ليتمكن البشر من معرفة أقل مدة للحمل وذلك في قوله تعالى “وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)” لقمان. وعند مقارنة الآيتين يتبين أن مدة الحمل هي ستة أشهر وهو حاصل طرح أشهر الرضاع الأربعة والعشرين من مجموع أشهر الرضاع والحمل البالغ ثلاثين شهرا. ولكن بما أن البشر يعلمون تمام العلم أن مدة الحمل الطبيعي هي تسعة أشهر فقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم أن مدة الأشهر الستة للحمل الواردة في الآية هي أقل مدة للحمل وتيقنوا أنه يمكن للمرأة أن تضع حملها في أقل من تسعة أشهر بدون أي شبهة.

        ولمقارنة هذه الحقيقة العلمية التي أوردها القرآن الكريم حول أقل مدة للحمل مع ما اكتشفه العلم الحديث فإنا نحتاج لمعرفة الطريقة التي يتم بها تحديد بداية الحمل وبالتالي تحديد مدة الحمل. ويوجد ثلاثة طرق رئيسية لتحديد بداية الحمل ففي الطريقة الأولى وهي تقريبية يتم حساب مدة الحمل أو العمر الحملي (gestation age) ابتداءا من اليوم الأول لآخر دورة شهرية للمرأة (the first day of the woman’s last period) وتبلغ مدة الحمل فيها أربعين أسبوعا (280 يوم) أو ما يعادل تسعة أشهر قمرية ونصف الشهر. أما الطريقة الثانية فهي المبنية على الإباضة (ovulation-based length of gestation) والتي تعطي مدة الحمل الحقيقي أو العمر الجنيني (fetal age) وفيها يتم حساب مدة الحمل ابتداءا من خروج بويضة المرأة من المبيض والتي يجب أن تلقح من الحيوان المنوي داخل قناة فالوب خلال يوم من خروجها ليتم بذلك الحمل (conception). وتبلغ مدة الحمل الطبيعي في هذه الطريقة 38 أسبوعا (266 يوم) أو ما يعادل تسعة أشهر قمرية تماما حيث أن متوسط طول الشهر القمري 29,53 يوما وهي تقل عن الطريقة الأولى بأسبوعين حيث أن البويضة تخرج من المبيض بعد 14 يوما من بدء الدورة الشهرية. أما الطريقة الثالثة فهي المبنية على التعلق أو الانغراس (Implantation-based length of gestation) وفيها يتم حساب مدة الحمل ابتداءا من انغراس البويضة الملقحة في جدار الرحم. وتبلغ مدة الحمل الطبيعي في هذه الطريقة 258 يوما وهي أقل بثمانية أو تسعة أيام عن الطريقة المبنية على الإباضه وهي المدة التي تستغرقها البويضة الملقحة للنزول من قناة فالوب حتى تتعلق بجدار الرحم.

        إن الستة أشهر التي ذكرها القرآن الكريم كأقل مدة للحمل مقاسة حسب رأيي على أساس العد المبني على الإباضة (ovulation-based length of gestation) وفيها تكون مدة الحمل الطبيعي تسعة أشهر قمرية. والدليل على هذا أن القرآن الكريم اعتبر مرحلة النطفة وهي البويضة الملقحة إحدى مراحل خلق الإنسان في أكثر من آية قرآنية كما في قوله تعالى “هَوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67)” غافر. وبما أن استخدام الأسابيع أو الأيام لوصف المراحل التي يمر بها خلق الطفل أكثر دقة من الأشهر فإن الستة أشهر القمرية التي تمثل أقل مدة للحمل تساوي 177 يوما أو 25 أسبوع ويومين. وبما أن معظم الدراسات المتعلقة بالحمل تستخدم العمر الحملي فإن الستة أشهر القمرية التي حددها القرآن الكريم لأقل مدة حمل  تناظر 27 أسبوعا ويومين باستخدام العمر الحملي. صنف الأطباء الولادة التي تتم بعمر حملي أقل من 37 أسبوعا على أنها ولادة مبكرة أو غير ناضجة (premature or preterm birth) ويحتاجون لعناية خاصة في المستشفيات أو  في البيوت حتى يبقوا على قيد الحياة. وتم تصنيف الولادة المبكرة إلى ثلاثة أنواع وهي الولادة المبكرة المعتدلة (moderate preterm) ما بين 32 و37 أسبوعا والولادة المبكرة البالغة (very preterm)  بين 28 و 32 أسبوعا والولادة المبكرة المفرطة (extremely preterm) بين 23 و 28 أسبوعا. ولقد وجد الأطباء أن فرصة نجاة الأطفال في الولادة المبكرة المفرطة قليلة جدا وتحتاج لعناية شديدة باستخدام أجهزة حضانة معقدة وغالبا ما يعاني الأطفال الناجين من مشاكل مرضية عديدة بسبب عدم اكتمال نمو بعض أجهزة الجسم وخاصة الجهاز التنفسي. أما في الولادة المبكرة البالغة فإن نسبة نجاة الأطفال تزيد عن تسعين بالمائة وفي الغالب لا يعاني الأطفال الناجين من مشاكل مرضية جوهرية وكذلك الحال مع الولادة المبكرة المعتدلة التي تزيد نسبة النجاة عن 95 بالمائة. ويتضح لنا من هذه التصنيفات أن تحديد القرآن الكريم ستة أشهر لأقل مدة للحمل جاء متطابقا بشكل كبير مع ما حدده الأطباء للعمر الحملي الأقل للولادة المبكرة التي تكون فرص نجاة المواليد فيها عالية. 

اقرأ أيضاً:   جريمة مروّعة تهزّ مصر بحق طفلة

إن طريقة احتساب أقل مدة للحمل تحتاج لتحديدها معرفة المراحل التي تمر بها بويضة المرأة خلال الدورة الشهرية وكذلك الجنين خلال الحمل. وتبدأ  الدورة الشهرية (menstrual cycle) والتي تمتد على مدى 28 يوما في المتوسط عندما تقوم الغدة النخامية بإفراز الهرمون المحفز للحويصلات بكميات كبيرة فيعمل على تحفيز مجموعة من الحويصلات الأولية (Ovarian follicles) الموجودة في مبايض المرأة على النمو.  وبعد مرور ستة أيام تكون إحدى هذه الحويصلات قد نمت بشكل أسرع من البقية فتقوم بإفراز هرمون الأستروجين () الذي يثبط نمو بقية الحويصلات والتي تبدأ بالتقلص تدريجيا ثم تموت بينما تستمر الحويصلة الكبرى في النمو.  ومن ثم تبدأ هذه الحويصلة بالتحول إلى ما يسمى جراب أو حويصلة دوغراف Follicle of De Graaft) ) حيث تتكاثر فيه الخلايا  المحببة (Granulosa) وتفرز سائلا يدعى  السائل الجريبي. ويتم دفع البويضة الاولية إلى أحد جوانب الجراب والذي يتحول بدوره إلى منطقة شفافة (zona pellucid) مغطاة بخلايا محببه تدعى الاكليل  الشعاعي  (corona radiate). ويبطن الجدار الداخلي لجراب دوغراف  أيضا خلايا محببة ولذا يسمى الغشاء المحبب  (Membrane Granulosa ) بينما تتطور الخلايا خارج هذا الغشاء المحبب لتشكل طبقة تدعى  الغلاف الداخلي ( Theca Interna)  وهو الذي يقوم بإفراز الهرمونات الأنثوية. وبعد ذلك تبدأ البويضة الأولية بالانقسامات الاختزالية التي شرحناها آنفا لتنتج الطليعة البويضية والتي تبدأ بالنمو لتتحول إلى بويضة ناضجة ينشق جراب دوغراف عنها من جهة منطقة الاكليل الشعاعي لتخرج من سطح المبيض في اليوم الرابع عشر من بداية الدورة. وتقوم الأهداب المحيطة برأس قناة فالوب بسحب هذه البويضة إلى داخل القناة لتكمل رحلتها خلالها نحو الرحم.

وبعد حدوث عملية الإباضة (ovulation) يتقلص جراب دوغراف وتتحول الخلايا المحببة التي في  داخله إلى خلايا أصفرية Luteal cells))  بينما يتحول الغلاف الداخلي إلى خلايا الغلاف الأصفري (Theca Lutein Cells) وبهذا يتحول الجراب إلى ما يسمى الجسم الاصفر (corpus luteum) ليقوم بعملية افراز الهرمونات الأنثوية كهرمون الاوستروجين والبروجسترون. ويتزامن مع عملية الإباضة عملية نمو لبطانة الرحم تحت تأثير هرمون الأستروجين فتزداد في داخلها الأوعية الدموية والخلايا الإفرازية فيزداد سمكها تدريجيا وتبدأ هذه الدورة الرحمية مع بداية الدورة البيضية وتصل إلى أقصى سماكة لها في اليوم الرابع عشر أيضا. إن عملية تلقيح البويضة من قبل الحيوانات المنوية يتم في الثلث العلوي من قناة فالوب والذي لا يتجاوز فترة مرور البويضة فيه 24 ساعة. وإذا لم تنجح عملية تلقيح البويضة فإن الجسم الاصفر يبدأ بالضمور ويتحول بعد عشرة أيام أي في اليوم الرابع والعشرين من الدورة إلى ما يسمى بـالجسم الابيض (corpus albicans) وهو عبارة عن ندبة ميتة تظهر على سطح المبيض. وبتوقف الجسم الأصفر عن إفراز الهرمونات الأنثوية تبدأ الأوعية الدموية المغذية لبطانة الرحم بالتقلص فيقل إمداد خلاياه بالدم فيبدأ بالتساقط والانفصال عن جدار الرحم لتخرج على شكل دم من المهبل وهو ما يسمى بدم الطمث أو الحيض (Mensis) والذي يستمر لمدة أربعة أيام أي أنها تنتهي مع نهاية اليوم الثامن والعشرين منذ بدء الدورة لتبدأ بعدها دورة جديدة. أما إذا حدث التلقيح فإن الجسم الاصفر يستمر في النمو ليبلغ حجمه 3 سم مكعب ويستمر في افراز هرمون البروجستيرون حتى الشهر الثالث من الحمل إلى أن تتكون المشيمة في الرحم والتي تأخذ دور إفراز هذا الهرمون عن الجسم الأصفر. ويعمل هرمون البروجستيرون على الحفاظ على بطانة الرحم لحين يتم تعلق البويضة المخصبة بها وكذلك يعمل على تثبيط عمل الهرمون المحفز للحويصلات حتى لا ينتج المبيض بويضات ناضجة جديدة طوال فترة الحمل وحتى أثناء فترة الرضاعة.

والبويضة جسم كروي الشكل  يتراوح  قطرها بين 120 و 200 ميكرومتر ويمكن رؤيتها بالعين المجردة. وتتكون البويضة من غشاء سميك وشفاف يسمى (zona pellucida) ومن المح (yolk or oöplasm) والذي يتكون من السيتوبلازم العادي (cytoplasm) الموجود في جميع الخلايا ومن السيتوبلازم المغذي (deutoplasm) والذي يوجد فقط في الخلايا البيضية.  وفي مركز البويضة توجد نواة كبيرة (nucleus)  تختلف في تركيبها عن أنوية الخلايا العادية ولذلك تسمى الحويصلة الجرثومية (Germinal Vesicle) حيث تحتوي على نصف عدد الكروموسومات إلى جانب أن نويتها (nucleolus) محددة بشكل واضح وتسمى البقعة الجرثومية (germinal spot).  ويوجد على السطح الداخلي لغشاء البويضة حبيبات صغيرة تلعب دورا مهما في مساعدة الحيوان المنوي على اختراق البويضة تسمى  الحبيبات القشرية (cortical granules). ويحيط بغشاء البويضة ثلاثة طبقات من الخلايا مرتبة بحيث تبرز كالأشعة من سطح البويضة ولذلك تسمى الاكليل الشعاعي (corona radiata). إن عملية إنتاج البيوض عملية أكثر تعقيدا وأدق توقيتا من إنتاج الحيوانات المنوية فبينما تنتج الخصيتان الحيوانات المنوية بشكل مستمر وبأعداد لا حصر لها فإن المبيضين لا ينتجان معا إلا بيضة واحدة في كل شهر تقريبا ويتزامن مع إنتاج هذه البويضة نمو لبطانة الرحم لكي تستقبل هذه البويضة إذا ما تم تلقيحها من قبل الحيوان المنوي. إن الهرمونات المحفزة للمبيضين هي نفس الهرمونات المستخدمة لتحفيز الخصيتين والتي تفرز من الغدة النخامية (pituitary) وهما الهرمون المحفز للحويصلات (Follicle-stimulating hormone (FSH)) والذي يحفز المبيضين على إنضاج بويضة واحدة ودفعها إلى الرحم والهرمون الأصفري (Luteinizing Harmone (LH)) والذي يحفز المبيضين على إنتاج الهرمونات الأنثوية. وكذلك فإن الغدة النخامية لا يمكنها أن تنتج هذين الهرمونين إلا من خلال هرمون عصبي  يأتيها من غدة الوطاء أو الهيبوثالاموس (Hypothalamus) وهو الهرمون المفرز للجونادوتروبين (Gonadotropin-releasing hormone (GnRH)).

وأما الحمل (Pregnancy) فهو المرحلة التي يتم خلالها تلقيح البويضة من قبل الحيوان المنوي (Fertilization) ليبدأ بعدها تحول البويضة الملقحة (fertilized egg or zygote) إلى جنين كامل داخل رحم الأنثى في مدة تبلغ 266 يوما أو ما يعادل تسعة أاشهر قمرية في المتوسط. وفي  خلال فترة الحمل تقوم البويضة المخصبة والخلايا الناتجة عنها من خلال الانقسام المحكوم  بأوامر تصدر من البرامج المخزنة على الأشرطة الوراثية بتصنيع جميع أجهزة الجسم المختلفة لتكون جاهزة للعمل بشكل كامل مع انتهاء فترة الحمل وخروج الجنين سالما من رحم أمه. ويبدأ الحمل (conception) في منتصف الدورة الشهرية (menstrual periods) وذلك عندما تقوم المبايض بعملية الإباضة (ovulation) حيث تخرج من سطحه بويضة ناضجة تدخل في قناة فالوب متجهة نحو الرحم. إن عملية تلقيح البويضة من قبل الحيوانات المنوية يتم في الثلث العلوي من قناة فالوب والذي لا يتجاوز فترة مرور البويضة فيه 24 ساعة. وقد تم تقسيم الحمل إلى ثلاث مراحل رئيسية وهي مرحلة النطفة الأمشاج (zygote  period) ومرحلة المضغة (embryonic period) والمرحلة الجنينية (fetal period). ولقد حدد القرآن الكريم  هذه المراحل بشكل دقيق في قوله تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)” المؤمنون.

اقرأ أيضاً:   “الدواء الأمريكية”: لا علاقة بين تجلط الدم ولقاح جونسون

فمرحلة النطفة الأمشاج (zygote or Germinal period) تمتد من لحظة الإخصاب أو التلقيح إلى أن تنغرس النطفة في بطانة الرحم بعد مرور ما معدله تسعة أيام. والنطفة الأمشاج هي البويضة الملقحة الناتجة عن اتحاد كرموسومات البويضة وكروموسومات الحيوان المنوي وهي المقصود في قوله تعالى “إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)” الإنسان.  وتقوم البويضة المخصبة خلال سيرها في قناة فالوب بعدد من الانقسامات لتنتج ما متوسط مجموعه 36 خلية من الخلايا المتشابه تظهر على شكل كتلة كروية تسمى التوتة (morula) لها نفس حجم البويضة الأصلية وتتغذى خلال هذه الفترة على ما في  مح البويضة الأصلية من مواد غذائية. ومن ثم يقوم قسم من هذه الخلايا بالاصطفاف لتكوين جدار بسمك خليتين يسمى الأريمة الغاذية (trophoblast) بحيث تصبح التوتة على شكل الكرة المفرغة وتحتوي على سائل يتخلله كتلة صغيرة من الخلايا الجذعية (embryonic stem cells) ويسمى الناتج بالكيس الأريمي (blastocyst).  وفي نهاية الأسبوع الأول تكون الأريمة قد نزلت من قناة فالوب إلى الرحم والذي قد أعد مسبقا لاستقبال هذه الأريمة وتبدأ بالتخلص من الجدار الشفاف الذي كان يحيط بالبويضة بما يشبه عملية التفقيس ولذا تسمى الأريمة المفقسة (hatched blastocyst) ومن ثم تبدأ بمحاولات الدخول في ثنايا طيات بطانة الرحم في الثلث العلوي منه وهو غني بالغدد والأوعية الدموية.

وإذا ما تمكنت الأريمة من التعلق أو الانغراس (implantation) بهذا البطانة ضمن فترة زمنية محددة فإنها تكون قد نجت من الموت جوعا وتبدأ باستمداد غذائها من البطانة من خلال عملية الانتشار (diffusion) وهذه هي بداية الحمل المبني على الإنغراس أو التعلق (Implantation-based length of gestationl).  وقد أطلق القرآن الكريم على هذه الأريمة المتعلقة ببطانة الرحم اسم العلقة والتي ذكرها القرآن الكريم في أكثر من آية كما في قوله تعالى “أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38)” القيامة. وفي هذه المرحلة يتوالى انقسام الخلايا والتي تبدأ بالتخصص فتقوم  الأريمة الغاذية (trophoblast) بتصنيع المشيمة (placenta) والحبل السري (umbilical cord) والتي ستمد الجنين بما يحتاجه من غذاء طوال فترة الحمل وكذلك تصنيع الأغشية المغلفة للجنين (extra-embryonic membranes) والذي يسمى الكيس الأمنيوني (amniotic sac) وما فيه من السائل الأمنيوني (amniotic fluid). ويتكون الكيس الأمنيوني  (amniotic sac) من غشائين شفافين رقيقين ومتينين يعمل بما فيه من سائل على حماية الجنين من الصدمات التي قد يتعرض لها جسم الأم إلى جانب وظائف أخرى.  أما الخلايا الجذعية الموجودة في داخل الكيس الأريمي فستقوم كل واحدة منها بتصنيع أحد أجهزة الجنين (embryo) وذلك حسب البرنامج الموجود في شريطها الوراثي. وفي نهاية هذه المرحلة تتشكل العلقة لتصبح على شكل قرص مفلطح مستطيل مكون من طبقتين من الخلايا (bilaminar (two-layered) disc)  يظهر في منتصفها ثلم بدائي (primitive streak) ينصفه إلي نصفين متماثلين ويسمى خط التماثل. 

 والمشيمة (placenta) قرص لحمي مستدير مثبت على جدار الرحم الداخلي عند الجهة الظهرية ويصل  متوسط قطرها في نهاية الحمل إلى 22 سم بينما يبلغ متوسط سمكها عند المنتصف 2 سم وعند الأطراف نصف سنتيمتر أما متوسط وزنها فيبلغ 500 غرام. ومن خلال المشيمة يتم تزويد الجنين بالغذاء والأكسجين من دم الأم ونقل مخلفات الأيض وثاني أكسيد الكربون من جسمه إلى دم الأم أيضا. ويتم ذلك من خلال شريانين إثنيين ووريد واحد موجودان في الحبل السري (umbilical cord) الذي يرتبط أحد أطرافه بالمشيمة عند منتصفها بينما يرتبط الطرف الآخر بجسم الجنين عند منطقة السرة في منتصف البطن ويبلغ طوله عند نهاية الحمل ما يقرب من 60 سم وقطره 2 سم.  وتقوم المشيمة بوظائف أخرى بالغة الأهمية منها منع الجهاز المناعي للأم من رفض الجنين والمشيمة باعتبارهما أجساما غريبة عنها وذلك من خلال إفراز أنواع معينة من المركبات كالنيركاينين (Neurokinin ). وتعمل كذلك على تحويل نوع الدم حيث أن نوع دم الجنين قد يختاف في الأغلب عن نوع دم أمه. وتعمل المشيمة أيضا كمخزن للدم النقي المزود بالغذاء لتزويد الجنين به إذا ما حصل تذبذب في كميات الغذاء في دم الأم. وتقوم  المشيمة كذلك بإفراز عدد من الهرمونات الأنثوية كهرمون (Human Chorionic Gonadotropin (hCG)) الذي يعمل على الحفاظ على بطانة الرحم من الانفصال عن جداره  وهرمون (Human Placental Lactogen (hPL) الذي يعمل على إدرار الحليب من ثدي الأم عند اقتراب موعد الولادة وكذلك تسريع النمو وهرمون البروجسترون (Progesterone) الذي يعمل على الحفاظ على بطانة الرحم طوال فترة الحمل.

اقرأ أيضاً:   السعودية: تعليق الإفطار والسحور والاعتكاف بالمساجد في رمضان

أما المرحلة الثانية فهي مرحلة المضغة (embryonic period) وتمتد من بداية الاسبوع الثالث الى نهاية الاسبوع الثامن وفيها تبدأ عملية التمضغ (Gastrulation) حيث يتحول القرص إلى قرص بثلاثة طبقات من الخلايا (trilaminar (three-layered) disc) تمثل الطبقات الجرثومية الثلاث. فالطبقة الداخلية (endoderm) ينشأ منها الأعضاء الداخلية كالجهاز الهضمي والتنفسي والدوري والبولي والتناسلي  والطبقة الخارجية (ectoderm) والتي ينشأ منها الجلد والجهاز االعصبي والطبقة الوسطى (mesoderm) والتي ينشأ منها العظام والعضلات. ففي الأسبوع الثالث يظهر الحبل الظهري (notochord) في منتصف القرص كبداية للعمود الفقري ثم يظهر ثلم فوق هذا الحبل بسمى الثلم العصبي (neural groove) كبداية للحبل الشوكي (spinal chord) مع وجود انتفاخ في أحد أطرافه لتكون بداية  تكون الرأس وما فيه من نواة عصبية ثم تظهر سلسلة من الانتفاخات على جانبي الحبل تمثل الفقرات وتسمى  (somite or primitive segment) ومع نهاية هذا الأسبوع يكون طول المضغة 4 ملليمتر. وفي الأسبوع الرابع يبدأ القلب بالتكون كانتفاخ في الجزء العلوي من المضغة وتبرز براعم اليدين وتظهر فتحتي الأذنين كنقطتين على جانبي الرأس ويظهر العصعص كالذنب وتظهر آثار لمعظم مكونات الجسم الداخلية ومع نهاية الأسبوع يكون طول المضغة 9 ملليمتر. وفي الأسبوع الخامس يبدأ الدماغ بالتكون وتظهر فتحات العيون والأنف والفم كنقاط على السطح وتبدأ الأرجل بالتبرعم وتبدأ الأوعية الدموية البدائية بالظهور مع سريان ما يشبه الدم فيها ومع نهاية الأسبوع يكون طول المضغة 13 ملليمتر. وفي الأسبوع السادس تبدأ الرئتان بالتشكل وتصبح الأيدي والأرجل البدائية ظاهرة وتبدأ الأعضاء التناسلية الخارجية والنظام الليمفاوي بالتكون ومع نهاية الأسبوع يكون طول المضغة 18 ملليمتر.  وفي الأسبوع السابع والثامن من مرحلة المضغة تكون معظم أجهزة الجسم قد بدأت بالتكون بشكل بدائي وتبدأ فيه بصيلات الشعر بالتكون وفيه يبدأ القلب بالنبض وينمو الرأس بشكل أسرع من بقية الجسم ليصبح حجمه نصف حجم الجسم وتبدأ عظام الجمجمة بالتصلب (ossification) ومع نهاية الأسبوع الثامن يكون طول المضغة 3 سم ووزنها 5 غرامات.

إن مرحلة المضغة تعتبر من أخطر مراحل الحمل ففيها يتم تخليق جميع أجهزة الجسم وإذا ما حصلت أخطاء تخليقية جذرية فيها فإن المضغة غير المخلقة تقوم من خلال آليات معقدة بإسقاط نفسها (miscarriage) لتقليل نسبة المواليد المشوهة جسديا. ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الظاهرة العجيبة (مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) ليبين لنا مدى علم الله عز وجل وقدرته ولطفه بمخلوقاته وذلك في قوله عز من قائل “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)” الأنبياء.

أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة الجنينية (fetal period) وتمتد من بداية الاسبوع التاسع الى نهاية الاسبوع الثامن والثلاثين أو من بداية الشهر الثالث إلى نهاية الشهر التاسع وهي نهاية الحمل. ففي الشهر الثالث يبدأ الجسم بالنمو بشكل متسارع ويقل حجم الرأس بالنسبة لبقية الجسم ليظهر الجنين بشكله الآدمي وتبدأ قاعدة الأظافر بالتشكل وتنمو أعضاء الجسم الحيوية كالجهاز الدوري والجهاز البولي والكبد بشكل أسرع من غيرها وفي نهاية الشهر يبلغ طوله 6 سم ووزنه 15 غم. وفي الشهر الرابع تكون المشيمة قد تطورت تماما وتكون معظم أجهزة الجسم قد اكتمل تخليقها وتظهر الأصابع  بوضوح وتتكون كذلك فروة الرأس وفي نهاية الشهر يبلغ طول الجنين 18 سم ووزنه 120 غرام. وخلال الشهر الخامس  يبدأ شعر  الزغب بالنمو على جميع أنحاء جسمه ويظهر شعر الرأس والحواجب والرموش بلون أبيض ويمكن سماع دقات قلبه وتبدأ عملية تجدد الخلايا أو ما يسمى بالأيض الجنيني وفي نهاية الشهر يبلغ طوله 25 سم ووزنه 300 غرام. وفي الشهر السادس يكون جلد الجنين رقيقا وناعما وتبدأ الجفون بالانفصال وتظهر بصمات أصابعه وفي نهاية الشهر يبلغ وزنه 32 سم ووزنه 750 غرام. وفي الشهر السابع يبدأ الدماغ بالتحكم بالأعضاء ويتكون الشحم تحت الجلد ويكون الجلد متغضنا وشفافا ووردي اللون وفي نهاية الشهر يبلغ طوله 37 سم ووزنه 1000 غرام ويمكن للجنين أن يعيش إذا ما ولد ولكن تحت العناية المركزة بسبب عدم اكتمال نمو الرئتين تماما. وفي الشهر الثامن تبدأ أدمة الجلد بالتطور وتختفي تجاعيده ويتسارع تطور الدماغ بحيث يمكن للجنين أن يسمع ويرى وفي نهاية الشهر يبلغ طوله 40 سم وزنه 1800 غرام. وفي الشهر التاسع يكتمل تطور الرئتين وينمو الشعر بشكل أسرع وفي نهاية الشهر يبلغ طول الجنين 50 سم ووزنه 3 كيلوغرام وهو جاهز للولادة.  لقد وصف القرآن الكريم  هذه الرحلة المعقدة والعجيبة في آيات كثيرة كما في قوله تعالى “هَوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67)” غافر وقوله تعالى “يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)” الزمر. والظلمات الثلاث التي ذكرت في الآية الأخيرة هي ظلمة جدار البطن وظلمة جدار الرحم ومن ثم ظلمة جدار الكيس الأمنيوني وسواء أكان البشر يعرفون هذه الحقائق في عصر نزول القرآن أم لا فإن مجرد لفت أنظار البشر للتفكر في هذه المعجزة كافية للتدليل على أن الذي أنزل هذا القرآن عليم خبير.

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى