الاصابات
676٬175
الوفيات
7٬987
قيد العلاج
51٬092
الحالات الحرجة
729
عدد المتعافين
617٬096

والوطن أيضاً; هل سينشف ثم يموت ?

والوطن أيضاً; هل سينشف ثم يموت ?

شبلي العجارمة

 وأنا أفتح خزانة ملابسي الفوضاوية أفتش عن لفحتي الرمادية ,وجدت عشرات القبعات لعشرات المبادرات الوطنية التي جفت وماتت, ولم يبق منها سوی شعارات باهتة   حاصرها العفن وخنقتها الرطوبة الخضراء ,تيشيرتات متناثرة لا تصلح حتی لمسح الزجاج أو تنشيف  الوجه وتحمل أيضاً شعارات وعبارات لا زال خطها براق لکن زمانها بهت وخفت وتلاشی  ,علی المرأٓأٓة وفي جوارير الأمشطة وجدت لفافة ورق بداخلها حبة ملبس  وتزرکشها شبرة زرقاء  مکتوب عليها "حزام الأٓمان حياتك " ,وعندما حاولت بفضولي  أکل حبة الملبس وجدت فصيل من النمل و العفن قد  سبقاني إليها ولا زال حزام الأمان في سيارتنا مکربج من الصدأ وبغلافه البلاستيکي من ندرة استخدامه .
  عندما أنظر لوطني من زاوية لا تصلح حتی للتسحج الناعم والصحي  لضيق أفقها ,أجد وطني أشلاء لجسد معلقة علی أعواد الأمنيات بالتنميات المالحة والکالحة ,فأنا من جيل   لا يعرف مذاق عبارة "الله علی أيام قبل", ولم يذق طعم مقولة "القادم أفضل" ,باختصار التعليل فإن الوجوه التي حفرت قبور أجدادي عاد أحفادها وقعوا علی شهادة ميلادي ,وأنا منفيُُّ من وطني لأني ابن اللعنات الأربع ,الأولی والدي جندي مدفعي ماهر ,هکذا کتبوا علی شهادة إخراجه ,والثانية لأني بدوي من أحفاد الذين نطقوا کلمة البصلة لکلوب باشا "ابصلة " ,أما الثالثة فأنا من قرية عزلاء منسية وبيتي کان من ألطين وأعواد القصب ,أما الأخيرة فأنا سليل الحراثين الذي تم اغتيال حراثهم الرمز الذي أنصفهم نصف عقدٍ ومضی الشهيد  وصفي التل .
 عندما کان الوطن يعني لوالدي صندوق باميا أو قصة صفيح من  جبنة يبيعها علی رأس العين منتشياً بهامش الربح الأكثر من المتواضع  ,کان أحدهم  هناك يبيع مٶسسة وطن ,وأٓخر  يسمسر علی شارع بأکمله ,وأحدهم يغربل بعثة دراسية لابنه في باريس ولندن ,لا تکافٶ في  المواطنة ولا انسجام بين مشهد  صندوق الباميا  وتذاکر سفر   أحد الوزراء للتزلج علی الجليد في سويسرا .
 الإنسان أغلی ما نملك ,الأردن أولاً ,کلنا الأردن ,إرفع راسك أنت أردني ,شعارات جميلة تدغدغ المشاعر وتصب في القلب ,لکنها  مجرد هبات کلامية , وابتکارات لأشخاص من أجل تکسب ظهور إعلامي فقط , فمشهد كهولة معاطف الجيش بوجوههم الملثمة وعصاٸب الحراٸر علی عتبات مکاتب البريد الساعة السادسة صباحاً علی حوض المعونة الوطنية  لا تترجم غلاوة الإنسان  وملکيته الحقيقية ,حين نتراجع علی المٶشر العالمي للحريات العامة والإعلام  وحقوق الإنسان إلی  الدرك الأسفل من المٶشر ,فهذا ينسف شعار الأردن أولاً ويخرجه عن سيمياء النص التقليدي ,وحين يکون راتب أردني عشرات الألوف ومٸات الامتيازات والحوافز ,وأردني أٓخر  حرس الوطن  علی حساب خوف أبناٸه وحرمانهم يتقاضی راتب ثلاثماية دينار يتقاسمها شوك البنوك وزعرور أقراض المرأة ,فهذا  يجعلنا نکفر بشعار کلنا الأردن ,فالأردن التي لزبيد ليست ذاتها التي  لعبيد,وعندما تنظر للعقال الأردني رمز الشموخ يتدحرج من علی هامة  أردنية في إحدی الحاويات ,فهذا يحيلنا إلی انفصام  حقيقي عن شعار إرفع راسك إنت أردني .
 الوطن لا يبنی بالمبادرات الجافة التي ما  تلبث أن تتلاشی وتنشف وتموت ,والوطن لا يصبح  وطن في دفتر الانفصامات المتلاحقة والمشاهدات المتناقضة,والوطن لا يدار بندوة متلفزة ولا من خلال صورة سيلفي أو تواضع مصطنع مفبرك ,والوطن لا يسيس ولا يساوی به ما بين حامي وحرامي ,الوطن هو وجع الأميِّ بذات الوجع للمثقف ,والوطن هو شکوة لبن يتم خضها بسواعد ابن المدينة والفلاح والبدوي بشرط أن تکون الزبدة ثلج تقتسمه هضاب الوطن مثل أوديته  وسهوله.
مثلما تنشف  المبادرات علی القبعات ,مثلما يجف الحبر علی القمصان الرخيصة لهذه المبادرات ,مثلما تنتهي صلاحية حبة الحلوی الموزعة علی الإشارة الضوٸية بيد فتاة حسناء  ,فالوطن مادة وجسد  من روح المسٶول المخلص وبأطراف وأوصال من الشعب الذي رسم بدمه سيرة مٸوية وطنه ,أيضاً إن  لم  يستدام ويوقف نزف جروحه الصامتة أيضاً ينشف ويجف يا صاحبي  ويموت !.
اقرأ أيضاً:   حقيقة المعادلة
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى