هل يُمكن إسقاط الطائفية والفساد في لبنان والعراق؟/ د.حسين البناء

التنوع الإنساني حالة أصيلة في دول المنطقة، أكان تنوعًا دينيًا، طائفيًا، عرقيًا، عشائريًا، مذهبيًا، أو حتى طبقيًا. هنالك دول مثل الهند و الصين و ماليزيا وغيرها الكثير تحتوي على تنوع أكثر تباينًا من هذا الذي نعرفه في منطقتنا، وبرغم ذلك فقد تجاوزت الدولة الحديثة ذلك التنوع وتَمكّن الجميع من تشكيل حالة الانتماء و الوعي الجمعي كشعب يتعايش بتجانس على أساس المواطنة و المساواة والمشاركة للجميع.

الحالة اللبنانية بخصوصيتها وبعد اتفاقية الطائف و دسترة الطائفية والمحاصصة لمراكز القوى على أسس دينية و طائفية، لا تختلف كثيرًا عن حيثيات الحالة العراقية، حيث تم دسترة التحاصص الطائفي بعد خروج الأمريكي بريمر و انتهاء الاحتلال.

التجربة الطائفية في لبنان والعراق جعلت مراكز القوى والنفوذ خاضعة لأطراف محددة دون غيرها بفعل المحاصصة، وهذه الطوائف صارت تستمد مصالحها من المحاصصة ذاتها التي كان لا بد من طرف ثالث أجنبي لحمايتها و تدعيم مصالح منتسبيها من كل طرف، فالشيعة يرتبطون بإيران، والسنة بدول النفط، والكرد بالأقاليم الكردية لدول الجوار … وهكذا.

الدولة المدنية الحديثة لا تنسجم مع فكرة دسترة المحاصصات الطائفية و تقاسم السلطات، فالدولة تبدو كفسيفساء متصارعة و تستمد شرعيتها و استمرارية وجودها من التحالفات الخارجية، الأمر الذي يُخضِع القرار في الدولة للمصالح الضيقة للطائفة و الكيان الذي يدعمها خارجيًا، كل ذلك على حساب المواطَنة والانتماء للدولة الجامعة. الأكثر خطورة من ذلك هو تحالف الفساد مع الطائفة بحيث تقوم القوة الطائفية المتمردة على سيادة القانون بحماية منتسبيها ولو كانوا بالغي الفساد حيث يبدو ذلك كعصبية ولو على حساب الحق و العدالة ومصلحة الدولة.

ما حصل في العراق و لبنان غاية في التشابه؛ فالفساد وسوء الإدارة الناتج عن توكيل ابن الطائفة للمنصب العام بدلًا عن التكنوقراطي أو السياسي المحترف هو ما راكم تبعات سوء الأوضاع والخدمات العامة، الأمر الذي خلق حالة جماعية رافضة لهذا المستوى من تجاوز المواطنة و الدولة لمصلحة مافيات المحاصصات التي أُثريت بفحش على حساب الصالح العام و الخدمات العامة. على إثر ذلك كانت التحركات الاحتجاجية الشعبية العارمة في بيروت و بغداد، فليس من المعقول بأن درة المتوسط بيروت تغص بالأوساخ و تعجز الحكومة عن أبسط وظائف أجهزتها، النظافة! وليس من المعقول أن بغداد النفط تفتقر للكهرباء و الشوارع اللائقة!

المتظاهرون في بيروت و بغداد يطالبون صراحةً بإسقاط الدستور و النظام الطائفي وليس فقط تغيير حكومات ضعيفة و خاضعة لابتزاز الأجنبي و الطائفية الفاسدة.

الحكمة تقتضي التقاط هذه الفرصة التاريخية و التفاف كافة القوى حول هيكل دولة و دستور جديدين لا مكان فيه للطائفة، بل مواطَنة و مساواة و عدالة للجميع.

للموضوعية، فإن دولًا نافذة أجنبية، و جماعات متماسكة داخلية، لها مصلحة في استمرار نهج المحاصصة الطائفية، وسوف يقف هؤلاء ضد أي تغيير يحرمها ذلك الشطط في النفوذ و السلطات الحصرية، و سوف تقاتل بشراسة لحماية مكتسباتها. الدور هنا على وعي الغالبية التي تيقنت من سوء الأحوال و إمكانية تفاقم الأمور في حال استمرت المحاصصة المتحالفة مع الفساد.
لن يكون سهلًا إسقاط النظام و الدستور الطائفي، ولكن زخم الشارع و الوعي المتسع للعامة من شأنه طرح فكرة الاستفتاء على دستور جديد يقوم على أساس دولة المواطنة المدنية.
العام القادم سيشهد أكبر التحولات في الوطن العربي، فالديمقراطية ستنجح في تونس و السودان و الجزائر، ثم سيليها التغيّر في لبنان والعراق، ثم ستنتشر حالة التغيير لكافة دول المنطقة، و خاصة تلك التي تهيمن عليها دكتاتوريات ديناصورية.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق