هل نحن نمثل مجتمع الفضيلة ..؟

هل نحن نمثل مجتمع الفضيلة ..؟
د. قــدر الدغمــي

في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية على نحو غير مسبوق، جاءت الفرصة المناسبة لإشغال الناس في قضية هامشية تنسيهم سوء أحوالهم، وتبعدهم عن دائرة الفعل الحقيقي تجاه ما يدور حولهم، وما يحيط بهم من كوارث إلى أن ظهر مقطع فيديو لشاب وفتاة في وضع غير اخلاقي منافيا للدين والقيم والعادات، والذي قام بتصويره شخص عديم الدين والضمير لا يقل عنهم جرما وانتهاكا للحرمات.
يعتبر مثلث “الجنس والدين والسياسة” في الكتابة العربية مادة شيقة لإثارة فضول القاري، فضول قد يغلب على القراءة ذاتها، وما تشكله كفعل أو سيلة لتعميق الوعي وبناء الذات، وهذا الفضول في القراءة والاسهاب والمبالغة في التعليقات على تلك الفضيحة ربما عكر الجو واشغل الرأي العام على مواقع “السوشيال ميديا”، حيث تناولته غالبية روادها وادلو دلوهم فيها دون هوادة شجبا واستنكارا، حتى أن بعض لكتاب ممن لهم أقلام راقية ولهم حضور مميز انزلق في الخوض في تفاصيلها الدقيقة علما بأنه هناك مواضيع أكثر أهمية يمكن أن يسلط الضوء عليها، كالفساد والبطالة والضرائب والغلاء.
بشكل عام ليس هناك تعريف مكتمل وثابت للأخلاق، فهي دائما ما تتميز بنسبيتها في التعريف، فإن الضبابية وعدم الوضوح في التعريف، يخلق مشكلة من ناحية التوظيف خاصة عند قياس المزاج العام الشعبي، فالغالبية في مجتمعنا دائما يذهب بعيدا خلف عاطفته التي تستثار بمجرد مشاهدته صورة أو مقطع فيديو هنا وهناك أو لمجرد قراءة مجتزأة لخبر مفبرك وتأويل هذه القراءة تجعله يحلق بعيدًا خلف هواجسه.
مهما تحدثنا عن دور الأخلاق والقيم، ومساهمتها في حفظ المجتمع وصونه، يعتبر هذا الحديث كلام وعظي افتراضي، لا بد أن نتفق بأنه ليس هناك على أرض الواقع مجتمع فاضل ومثالي، وهذا ينطبق بطبيعة الحال على مجتمعنا، فالفضيلة هي تصور متخيل غالبا ما ترتبط بمعيار أخلاقي لمجتمع كامل مبرأ من كل التناقضات، ومجتمعنا من المجتمعات الذي يضع نفسه رقيبا على الالتزام ليس بالأخلاق التي تعتبر نسبية، بل يضع نفسه كرقيب على مدى الالتزام بالتقيد بمبدأ وضع القناع الاجتماعي والذي بدونه سيتعرى وتكشف عورته.
بسبب دعوات الفضيلة الزائفة ظهرت اختلالات العلاقات الاجتماعية في واقعنا بشكل صارخ، فبعض السلوكيات والممارسات التي تمارس بشكل خفي بين أفراد المجتمع خارج نطاق الفضيلة والاخلاق الحميدة اعتاد عليها المجتمع ولا يلقى لها بالا، فالمجتمع المتناقض هو الذي يرى الانحرافات ويتستر عليها ما دامت مستورة، ولكنها حين تظهر للملأ يتحول إلى منظومة قيم وأخلاق ومثاليات حتى الأنبياء لم يأتوا بمثلها، فهل بكل ذلك نكون نحن مجتمع الفضيلة ..؟

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى