الاصابات
679٬138
الوفيات
8٬057
قيد العلاج
49٬211
الحالات الحرجة
729
عدد المتعافين
621٬870

نور على نور

نور على نور
د. هاشم غرايبه

قال الشيخ “يوسف القرضاوي” في حفل تكريم له: “إن هذه التكريمات والثناءات والمدائح التي سمعتها لا تغرني عن نفسي، ولا تخدعني عن حقيقتي التي أعرفها، أنا أعرف – والله – نفسي، بضعفها، وغفلاتها، وتفريطها، وقد قال ابن عطاء الله السكندري في حكمه: “الناس يمدحونك لما يظنونه فيك، فكن أنت ذامًا لنفسك لما تستيقنه منها، العاقل لا يترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس”. فما عند الناس من ظنون لا يخدعني عن يقيني في نفسي والله، وأنا أعلم أن الله سترني بستره الجميل، ومن فضل الله علينا أنه لم يجعل للمعاصي رائحة حتى يشمها الناس، سترًا علينا، وأنا أرجو أن يسترنا الله في الآخرة كما سترنا في الدنيا.
وأنا أخشى – أيها الإخوة – أن تذهب هذه المدائح والثناءات، وكلام الإخوة من أصحاب وتلاميذ بثلثي أجري، فأن تكون غنيمة العالم أن يثني الناس عليه ويُكرِّموه، هذه جائزته، فإذا ذهبت هذه التكريمات بثلثي أجري فقد خسرت، وإذا كان الثلث الباقي لا يخلو من الخلل والدخل فماذا يبقى للإنسان؟
سمعت من وصفني: (الإمام القرضاوي)، وأنا – والله – لست قائدًا ولا إمامًا، أنا أشعر أني جندي، وأني تلميذ لا زلت أتعلم، وأكتشف أني أجهل الكثير كما قال إمامنا الشافعي رضي الله عنه:
كلما أدبني الدهر .. أراني نقص عقلي
وكلما ازددت علمًا.. زادني علمًا بجهلي
وصدق الله العظيم: “وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا” [الإسراء:85]. “وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا” [طه:114]، وهكذا الإنسان يتعلم حتى من تلاميذه، كما قال أحدهم لشيخه: أقول لك كما قال الهدهد لسليمان: “أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ” [النمل:22]، وقد قال سلفنا رضي الله عنهم: لا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل”.
حديث القرضاوي يبين لنا الفارق بين العالِم المؤمن وغير المؤمن، فكلما تعمق علم المؤمن سمت نفسه، وأحس بمعنى إنسانيته التي ميزته عن الأنعام التي تعيش ليومها، والتي سعادتها الوحيدة في اتباع غرائزها والتمتع بملذاتها ..تأكل وتشرب وتتناسل.
منذ أن يولد الإنسان يبدأ بالتعلم، ولا يتوقف عن ذلك أبدا، إذ أن اكتمال المعرفة هي صفة إلهية لا يمكن أن يصلها بشر، لذا فلا يوجد لطلب العلم نهاية، وعندما يقول شخص متمكن في العلم أنه طالب علم، فذلك ليس عن تواضع، بل هو إقرار بالحقيقة.
العلم أصله الله، فهو من أوجد العقل – أداة التعلم – وفتح له أبوابا محددة في مجالات محددة، يلج منها الى المعرفة، ولأنها شاسعة لا يحيط بها العقل، لذا يعتقد أن ما هو متاح أمامه غير محدود، ولكنه حقيقة على اتساعه محدود بحدود ما حدده الله.
ولأن عمر الإنسان لا يتسع للتجريب الكثير، والسبل التي يمكن يسلكها العقل سعيا الى تحقيق السعادة والفلاح متعددة ومتعرجة، فقد هداه الى السبيل الأقصر، والمنهج الأقوم الذي يوصل للغاية المنشودة.
لكن الإنسان كان أكثر شيء جدلا، لذلك ضل أكثر الناس وما اهتدوا، يمثلهم ابن نوح الذي رأى الطوفان عيانا، لكنه رفض ركوب السفينة والنجاة.
لقد جعل الله العلم فرعين: الأول علم بالله، وأصله معرفة الله الأحد الصمد، وفروعه العمل بأوامره والانتهاء عن نواهيه، ويجسد كل ذلك الدين.
والآخر علم بأفعال الله، وهو معرفة سنن الله في خلقه، وهو العلم الدنيوي الذي يُفسر تلك السنن، أي القوانين الطبيعية التي تحكم كل الموجودات سواء الجمادات أو الكائنات الحية، مثل الفلك والطب والهندسة والفيزياء والجغرافيا والفلسفة ..الخ.
إن طلب العلم الأول يكون بوسيلتين: التفقه في الدين الذي أنزله للناس ليرتقوا به من شرور النفس وظلمات الجهل، الى رحاب العلم والإيمان، والثانية: التأمل في القرآن الذي فيه جواب لكل سؤال وحل لكل مشكلة، وعلى دوام الأزمان.
وطلب العلم الثاني يكون بوسيلتين: الأولى: التأمل والبحث والتجريب في آيات الله الكونية، مثل علوم الفضاء والجيولوجيا والفيزياء والكيمياء ..الخ.
والثانية في آيات الله التكوينية مثل وظائف الأعضاء وأمراض الجسم وعلل النفس والمشكلات المجتمعية وعلاجاتها ..الخ.
العلمان كلاهما ضروري، ولا يغني أحدهما عن الآخر.
هكذا جعل الله العلم نورا وهدى ، يزيد المتقين فهما، لكنه لا يزيد الظالمين إلا طغيانا وفجورا.

اقرأ أيضاً:   شو عم بصير بالبلد ؟!!
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى