"نصوص بترا: ورد القوافل"..هل تعود الحياة يوما إلى المدينة الوردية؟!

يذهب الشاعر الفلسطيني المتوكل طه للقول في نص من سطر واحد في خاتمة كتابه “نصوص بترا: ورد القوافل”، للقول “إن أمنيتنا الوحيدة التي لم تتحقق هي أن لا تكون المدينة قد ضاعت”.

وهو ما يبرره بالقول “هي دعوة لزيادة اهتمام المؤسسة الرسمية ببترا، أشعر انه بالامكان ذلك، بل يجب التعريف بهذه المدينة بشكل أفضل، خصوصا وان بترا لا تزال رادة عباءتها على أسرارها، وكأنها تتحدى المبدعين وعلم الأركيولوجيا –علم الآثار- لفكّ أزرارها، ويكتشفوا الكامن وراء المقرنصات والمنمنمات والحجرات، وخلف هذا النحت الإلهي”.

وتتوزع نصوص الشاعر طه في كتابه الصادر مؤخرا عن وزارة الثقافة الأردنية”، وعلى مساحة 229 صفحة، بين قصيدة النثر، والحوار والسيناريو، والمسرح والقص، وقصيدة التفعيلة، منحازا إلى شكل السرد الحداثي، وفيما بين “نص الدخول” الذي أستهل صفحات الكتاب ونص “أمنية” الذي اختتم به كتابه، مناجاة للمدينة الوردية، واستلهاما لأساطيرها، التي يصفها بقوله “تبدو البيوت كالجواهر القديمة، والأرض سرية وعميقة، والسماء لبنيّة واسعة. وثمة ضوء باهر يتبعثر فوق سيول النار وستائر الدخان الذي كان. وثمة هواءٌ سماوي يرحب بنا قائلاً، أهلا بكم في قلبي”.

كلمات الشاعر وريشة وعدسة هيلدا حياري

ويضم الكتاب مجموعة من الصور واللوحات باللونين الأبيض والأسود، بعدسة وريشة الفنانة الأردنية هيلدا الحياري، نقلت بعين “الحب” وريشتها تفاصيل المدينة الوردية، ونثرت جماليات المدينة وعبقها بين نصوص الكتاب التي اختار لها المتوكل عناوين مستوحاة من تاريخ المدينة، ومن تفاصيلها اللانهائية الجمال وهي على التوالي: “نص الدخول، قافلة الشعراء، أوراق الأسرار، كيف سقطت المدينة، ما قاله الساحر،أغنية، امرأة المدينة، منام، راعية الأغنام، طفولة، زفاف، ما قالته الأم لابنتها، المرأة الياسمينة، المرأة القهوة البيضاء، العاشقان، صاحب البيت، الرجل النورس، الرجل المغترب، وجه من المحروسة، سؤال، مشهد مكرور، صوت الحارس، قالوا،خسف، إلى شكيلة، ما قالته شكيلة، رؤيا، الشاعر، إغراء، من رقاع الراوي، إعادة تعريف، جارة الصخر، أمل، أخبار، حقيقة، أنا، تنويه، انتظروا، البلاد اليوم، ايلياء شقيقة بترا، امرأة بين الخيام، وأمنية” شكلت معا رواية شعرية للمكان الملهم.

أي حفيدة قادمة سأسميها “بترا”

ويبيّن طه أن “نصوص بترا/ ورد القوافل” جاءت بسبب من “الوعورة الفاتنة التي تغري بالتأمل وتجذب الرائي إلى حد التماهي”.

أما لماذا جاءت النصوص منحازة للحداثة، مستفيدة من أشكال إبداعية فيبدو أنها جاءت عفو الكتابة –إن جاز التعبير- فالمتوكل يؤكد ” لم أقصد شكلا محددا لكن الكاتب في داخلي يقودني حيث يريد، فيخرج النص مختارا طريقه وشكله وحساسيته”.

موضحا: “كنت ازور البترا لأيام في كل مرة، وفتنتني حتى أنها رافقتني في أحلامي الليلية”، معلنا “لو أن حفيدي جاء بنتا، لاسميته بترا، وأي حفيدة قادمة سأسميها بترا”.

القدس الآن هي المعادل الموضوعي لبترا التاريخية

وطه المأخوذ ببترا يرى أن “ثمة عظمة سماوية على هذه الصخور التي تأخذ غير لون وغيرشكل، أما لماذا البترا؟؟ أيضا لان ثمة أسبابا داخلية حملت البترا من الحضور إلى الغياب، بمعنى أن القلعة تسقط من الداخل دائما، كأنني أريد أن أقول بأن المدن العظيمة، كبترا وبابل وغرناطة، وغيرها التي كانت تصوح الكون وتحفل بالحياة بأعلى وأجمل وأحلى تجلياتها قد سقطت بفعل خراب أهلها وفساد مؤسساتها وتخلي أصحابها عنها، وتراجعهم عن حمايتها، ما يعني أن القدس الآن هي المعادل الموضوعي لبترا التاريخية، وعلى أهلها أن يستفيدوا من سقوطها حتى لا تسقط القدس أكثر في البئر أو في فم الوحش”.

سلطة بترا من ايبلا الشام إلى عريش مصر

وعن سر تسمية “نصوص بترا/ ورد القوافل” يقول طه “لا أريد تفسير النص أو النص المساند، أي العنوان، والعناوين الفرعية، ولكن “ورد القوافل” أُحس أنها تدلل على هذا التمرين الحضاري الهائل الذي كانت البترا نموذجا له، ما جعل كل الشعوب المحيطة والسكان المحيطين بها يأتون إليها ويقصدونها فتفيض عليهم ببذخها وترفها وحمولتها الأنيقة، ونحن نعلم أن سلطة البترا-دولة الأنباط- امتدت من ايبلا الشام إلى العريش المصرية، ومن أقصى الشرق العربي الى البحر الأبيض المتوسط، وكان ثمة علاقة ذهبية أقرب إلى القداسة بين بترا وإيلياء “القدس”، وأهمية البترا أنها ورثت بجدارة مملكة جاوا التي كانت تقع شرق الأردن، وكانت الأضخم من حيث التأثير الاقتصادي والثقافي في كل المنطقة “الجزيرة العربية، الهلال الخصيب، بلاد الشام”. ثم كانت البترا شقيقة تدمر التي رفضت أن تكون تابعة للإمبراطوريات الكبرى آنذاك، اليونان والرومان، فمثلما قاتلت تدمر روما، ورفضت أن تكون الحديقة الخلفية لها، فان بترا “سيلع” رفضت أن تخضع لليونان والرومان، قاتلت بجسارة ما يؤكد أن الممالك العربية حتى ظهور الإسلام، رفضت الاستلاب والاحتلالات والإلحاق، وكانت بترا قبل أن تتسع هوامش الخراب الداخلي، مثالا مضيئا على روح الاستقلال، إضافة إلى كل ذلك فان الأنباط –بترا- هم الذين اجترحوا الأبجدية الأكثر تكاملا ونضجا منذ اوغاريت إلى أن وصلنا الخط العربي، كما نعرفه منذ صدر الإسلام”.

إرهاصات تخلّقت في ليالي البترا

ولكن هل تتزامن الكتابة مع التواجد في عين المكان، أم هل حمل طه “البترا” معه، لصوغها نصا لاحقا؟

يصف طه أجواء النصوص وولاداتها بالقول: “زرت البترا غير مرة وأجريت بحثاً موسعا ومعمقا عن تاريخها ومكوناتها وأهلها وثقافتها وحياتها، إلى أن أصبحت مختصّا في البترا، ما أعانني على تفكيك هذا الرمز العمراني التاريخي الهائل، ومكثت قرابة عامين أقلب النصوص التي جمعتها بين دفتي هذا الكتاب، وصدر مؤخرا عن وزارة الثقافة الأردنية مشفوعا برسومات وصور عن بترا للفنانة هيلدا حياري”.. لافتا ” أن إرهاصات بعض النصوص تخلقت في الليالي التي كنت أباتها في الفنادق القريبة من البترا، بعد يوم حميم، تلامس فيه روحي كل هذا العالم الوردي، ولكن كان يكتمل، بعد عملية ثبات الحمل للنص ونمو الجنين.. إن أي بحث أو قراءة عن بترا ستكون مسودة لنص عنها، وهي مدينة مغرية”.

تنقل لي شبابيكها الوردية وشوشوات عاشقيها

ولكن ماذا عن البترا ليلا، أو البترا في الليل، والتي أضحت ظاهرة –ربما سياحية- لكنها تنطوي على سحرها الخاص، هل شاهدتها ليلا؟؟
يرد طه: بالتأكيد شاهدت بترا في الليل، وكتبت عنها.
كنت أحس في الليل أن أهلها يستيقظون ويخرجون من حجراتهم ليقيموا احتفالاتهم، كأنني كنت أسمع أصوات الباعة وحداء القوافل قبل أن تحط في الخان والباعة المتجولين، وغناء –فيروزتهم- في المسرح، وخبب خيولهم على الحجارة، وإيقاعه الخاص، وكنت أسير في أزقتها ليلا، فتنقل لي شبابيكها الوردية وشوشوات عاشقيها، وصيحات نسائهم الخافتة. ويراودني إحساس جامح بأن البترا التي تعود ليلا إلى حياتها، ستعود يوما إلى حياتها كما كانت، طافحة بحراكها الذي سيشق قلب الشمس.

قالوا عن الكتاب:
يقول الشاعر المعروف أحمد الملا عن ورد القوافل، موجها كلامه الى المؤلف : يبتسم لك الوقت، وينبسط لك الوعر. لتعذر اتكاءتي على الحياة لا زلت اكثر من الثقة بها. بي من الشوق لأيام البترا وليالي العقبة ما يرجّ الصحراء ويزهرها بالنقل والخزامى دفعة واحدة وفي بساط لا يطوى. قرأت كورّاق ما خططه من الأسرار، ومأخوذا بلغة الوردي رأيت روحي تلبس ثيابها وتعبر أمامي شق الخيمة وترحل من أقصى الربع الخالي ناحية الجبل المزنر بالعقيق.. كتابك مثل جبل غامض بين رمال الدهناء، يكتبه الرّحالة كلما يمموا شطره. مثلك كنز وأسرارك مراهم.

ويقول الناقد الكاتب المعروف فاروق يوسف عن الكتاب:كتابة تتبع خيط الألم لا تشبه أية كتابة أخرى. متاهة شيدت جدرانها بمواد لينة.بعضها يرتجله الشعر، والبعض الآخر ينبعث تلقائياُ مثل كائنات حية. يا لمهارة الشاعر في إغراء الجنيات، وهن كلماتك اللواتي يهبطن ببطء مثل قطرات ثقيلة من العسل. نص يوحي ويُلهم ويجرح ويشق طريقه الى الأعماق ولا يكفّ عن الحركة.

الإنفعال به لا يتوقف بعد القراءة. دمعته تبقى عالقة في الهواء، هواء البيت حيث كتابي المفتوح، هواء البرّية حيث يدك لا تزال تمت بقدح القهوة.
أيها المتوكل! لقد أهدتني بترا صديقاُ عظيماُ ووهبتك نصاُ رائعاً.

أ.ر

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى